من «أين المقاومة؟» إلى «أين الدولة؟»
من «أين المقاومة؟» إلى «أين الدولة؟»
السؤال الجديد الذي بدأ يُسمع في الجنوب.
خلال زيارته إلى النبطية، لم يبقَ رئيس الحكومة نواف سلام خلف المنبر. تحدّث مع كل من أوقفه: معارضين وداعمين، أهالي شهداء، أصحاب منازل متضررة، ومواطنين أرادوا أن يسمعوا منه مباشرة: ماذا ستفعل الدولة؟ وفي هذا الاحتكاك المباشر رسالة بحد ذاتها، فالحضور الميداني يوحي بأنّ الدولة تريد أن تُساءل لا أن تكتفي بالوعود.
ولم يصل سلام بكلام سياسي فقط. أعلن إطلاق ٢٣ مناقصة في قضاء النبطية، تشمل ترميم طرق ومراكز إيواء وتجهيزات صحية وإسعافية، وتحدّث عن إعادة المؤسسات والخدمات إلى العمل، مقرّاً في الوقت نفسه بأنّ حجم الخسائر والحاجات يفوق قدرة الدولة وحدها. هذا الإقرار لافت، لأنّه يضع الوعد في حجمه الواقعي بدل تضخيمه. أما الصيغة السياسية التي طرحها فكانت مباشرة: دولة واحدة، جيش واحد، وقرار واحد، وخصوصاً قرار الحرب والسلم.
غير أنّ الأهم من كلام رئيس الحكومة كان ما سمعه من الناس. ففي النبطية نفسها سبق الزيارة نداء وقّعه مئات من أبناء المنطقة، طالبوا فيه بتعزيز حضور الجيش والقوى الأمنية، وتحمّل الدولة مسؤولية الأمن، وحصر قرار الحرب والسلم بمؤسساتها. أي أنّ المطلب لم يأتِ جاهزاً من بيروت، بل صدر من داخل البيئة الجنوبية.
وخلال الجولة، هتف مواطنون لسلام: «معك لآخر نفس». وأوقفته نساء تحدّثن عن أبنائهن وبيوتهن ومستقبلهن، وطالبن بـ«فتح صفحة جديدة». واختصرت سيدة جنوبية حجم الإنهاك بجملة واحدة: «صرنا كربلاء هون»، مضيفة أنّهم لا يريدون خسارة المزيد من شبابهم.
بطبيعة الحال، لا يمكن اختصار الجنوب كله بهذه الأصوات، ولا اعتبار ما جرى انقلاباً سياسياً أو تبدّلاً شاملاً في هوية منطقة كاملة. فالمشهد متعدد، وفيه معارضون عبّروا عن رفضهم أيضاً.
لكن ثمة مشهداً يستحق التوقف عنده: بعد الحرب والتهجير والدمار والخسائر، لم يعد الحديث عن الدولة في الجنوب مجرد شعار يُقال من بيروت. صار مطلباً يُسمع من بين الناس أنفسهم: دولة تعيد الطريق والمستشفى والمؤسسة، تحمي الناس، وتملك قرارها.
وقد يكون التحول الحقيقي هنا تحديداً: ليس أن يسأل الجنوب أقلّ عن المقاومة، بل أن يسأل أكثر عن الدولة. لأنّ المسألة بعد كل حرب لم تعد فقط في من يواجه العدو، بل أيضاً في من يضمن ألا يبقى أهل الجنوب وحدهم يدفعون الثمن.

