بيئة الحزب المتهالكة.. «حركات النص كِم»

بيئة الحزب المتهالكة.. «حركات النص كِم»

  • ٠٣ تشرين الأول ٢٠٢٦
  • جو حمّورة

إنّها حركات «ولادية»، انفعالية، تؤدي وظيفة واحدة تقريباً: إعطاء صاحبها شعوراً بأنّه فعل شيئاً.

حين تضيق الخيارات، تتراجع السياسة أحيانًا لتحل مكانها الحركات الصغيرة. وحين يعجز الخطاب عن تقديم جواب مقنع عن سؤال كبير، يبدأ بعض جمهوره بالبحث عن انتصار صغير في تفصيل تافه.

هذا، تحديداً، ما يمكن ملاحظته في عدد من التصرفات التي رافقت المرحلة الأخيرة في بيئة حزب الله. وهي، في حد ذاتها، أحداث صغيرة جداً، لكنها تقول شيئاً عن حالة سياسية ونفسية أوسع: عندما لا يعود بالإمكان تغيير موازين القوى، يصبح الاستعراض بديلاً عن الفعل، وتصبح «حركات النص كِم» وسيلة لتعويض شيء أكبر بكثير من حجمها.

من هذه المشاهد، ما حصل مع أسماء بلدتي رميش وعين إبل، حيث جرى تداول قيام أفراد بطلاء أسماء البلدتين عن لوحات على الطرقات. قد يبدو الأمر، للوهلة الأولى، تفصيلاً لا يستحق التوقف عنده. لكنه في الحقيقة يختصر مشكلة كاملة. ماذا يمكن أن تحقق إزالة اسم قرية من لوحة؟ لا شيء تقريباً. لن تتغير الخريطة، ولن تختفي القرية، ولن يتبدل موقعها، ولن تتغير المعادلات السياسية. كل ما يحدث هو تسجيل لحظة غضب على لوحة طريق.

فبعد سنوات طويلة من الحديث عن المقاومة والقوة والقدرة على فرض المعادلات، يصبح الإنجاز الميداني عند البعض هو إزالة اسم رميش أو عين إبل عن لوحة. زمن بائس، من مشروع سياسي كبير إلى عراك مع لافتة طريق. على العموم، وفي النهاية، البلدتان لا تزالان حيث هما، بشعبهما وحياتهما، فيما البلدات الأخرى محيت، حرفياً، عن الخريطة.

ثم جاءت زيارة رئيس الحكومة نواف سلام إلى النبطية، وهي زيارة كان عنوانها الأساسي حضور الدولة ومؤسساتها في المدينة والجنوب، وتفقد الأجهزة الأمنية والإدارات الرسمية، ووضع حجر الأساس لمقر الدفاع المدني. وقد حملت الزيارة رسائل واضحة حول إعادة تفعيل مؤسسات الدولة وإعادة الإعمار وقرار الحرب والسلم.

وبالمحصلة، كانت الزيارة ناجحة من حيث حصولها، ومن حيث تثبيت حضور الحكومة ومؤسسات الدولة في مدينة لطالما ارتبط اسمها سياسياً ببيئة حزب الله.

لكن في مقابل هذا المشهد الرسمي، ظهرت مشاهد أخرى أكثر هامشية، لكنها أكثر صخباً على مواقع التواصل. سيدة رفعت في النبطية صورة تجمع الرئيسين جوزاف عون ونواف سلام، وكتبت تحتها: «مثلي لا يبايع مثلكم». وفي مشهد آخر، حاول أحد المواطنين التقدم باتجاه سلام، وقال إنّه يريد صفعه، قبل أن تتمكن القوى الأمنية من منعه من الوصول إليه.

مرة أخرى، ماذا تغيّر؟

لا شيء.

لم تتغير الحكومة. لم تتغير سياسة الدولة. لم يتغير قرار سياسي. لم يتبدل موقف دولي. ولم تُستعد أرض أو تُمنع حرب أو تُفرض معادلة. مجرد يافطة. ومجرد محاولة اقتراب. ومجرد انفعال.

بالواقع، تبدو المشكلة أكبر من هذه الأحداث الثلاثة نفسها. فهي ليست في أنّ شخصاً غضب، أو أنّ امرأة رفعت يافطة، أو أنّ أحداً أراد أن يعبّر عن رفضه لرئيس الحكومة. فالاعتراض حق، والاحتجاج حق، وحتى الغضب السياسي جزء من الحياة العامة. المشكلة في أن يتحول هذا النوع من السلوك إلى بديل عن السياسة نفسها.

فالبيئة السياسية التي اعتادت أن ترى نفسها جزءًا من مشروع إقليمي كبير، وأن تتحدث عن القوة والتوازنات والحروب والمعادلات، تبدو اليوم أمام سؤال مختلف: ماذا بعد؟

ومتى لا تكون هناك إجابة واضحة، يبدأ الفراغ بملء نفسه... فراغ العقول والإرادة والرصانة.

إنّها «حركات النص كِم» لا هي فعل سياسي كامل، ولا هي موقف سياسي مؤثر، ولا هي حتى معركة يمكن أن تغير شيئاً. إنّها حركات صغيرة، «ولادية»، انفعالية، تؤدي وظيفة واحدة تقريباً: إعطاء صاحبها شعوراً بأنّه فعل شيئاً.

لكن السياسة لا تُقاس بهذه الأمور. السياسة ليست في أن تمحو اسماً عن لوحة، بل في أن تستطيع أن تقدم مشروعاً. وليست في أن ترفع يافطة تهين رئيس حكومة، بل في أن تستطيع أن تجيب عن الأسئلة التي يطرحها الناس على مستقبلهم. وليست في محاولة صفع مسؤول، بل في القدرة على مواجهته بالحجة والبرنامج والموقف.

وإذا كان هناك درس سياسي في كل هذه المشاهد، فهو أنّ البيئة السياسية المتهالِكة لا تحتاج دائماً إلى معركة عسكرية جديدة كي تُظهر تعبها. أحياناً تكفيها لوحة طريق، أو صورة، أو جملة غاضبة، لكي تكشف بنفسها حجم الهزيمة كما حجم الفراغ الذي تحاول أن تملأه.