ماذا كان يتوقع السنوار من "طوفان الاقصى"؟
ماذا كان يتوقع السنوار من "طوفان الاقصى"؟
سأضع جانبا مؤقتا فرضية ان السنوار كان يتوقع تماما ما حصل بعد "الطوفان"، لأعود اليها في نهاية النص.
سأبدأ بفرضيات أكثر "عقلانية".
١- هل من المعقول الا يكون السنوار قد توقع هذا الرد العنيف من حكومة يمينية برئاسة نتنياهو معوِّلا على مفاوضات حول الأسرى تلجم العدوانية الاسرائيلية؟
٢- هل من المعقول الا يكون السنوار قد توقع أن تفتح عملية "طوفان الاقصى" الباب واسعا أمام إسرائيل لتحقيق استراتيجيتها المتمثلة بتحقيق مشروع إسرائيل الكبرى، اي هل من المعقول أن يكون قد ارتكب هذا الخطأ الاستراتيجي بتسهيل تحقيق إسرائيل لهدفها الاستراتيجي؟
٣- أم أن السنوار كان يعوّل على فتح كافة جبهات محور الممانعة بقيادة ايران؟ تسمية العملية ب"طوفان الاقصى" يجعلنا نفترض انه كان يريد لها أن تفعل فعل طوفان إسلامي جارف. لكن بالمقابل، ان "حرب الاسناد" التي أطلقها حزب الله من جنوب لبنان بعد يوم فقط من "طوفان الاقصى"، أعطت انطباعا عكسيا، ذلك انها بدت مجرد "حرب مشاغلة" كما إُسميت ايضا، وكما دلّ عليه حجمها ونمطها العسكري المحدودَين، في ظل عدم تدخل إيران ومحاولة التأكيد على أن لا علاقة لها بالحربين اللتين بادر اليهما حزب الله وحماس.
التساؤلات الثلاثة اعلاه لها طابع عقلاني. ومعظم التحليلات التي حاولت فهم ما اقدمت عليه حماس، مقارنة مع النكبة الفلسطينية المتجددة اليوم، كانت ذات طابع عقلاني اي انها افترضت ان ما قام به السنوار ورفاقه كان سلوكا عقلانيا تُقارن فيه النتيجة مع الفعل.
سبق لعالم الاجتماع ماكس فيبر ان اعتبر انه يمكن ل"الفعل الاجتماعي" الا يكون عقلانيا، بل واحدا من أربع "نماذج":
- الفعل الهادف العقلاني (Goal-Rational ): هو الفعل الذي يُحدَّد بناءً على أهداف وغايات واضحة، حيث يزن الفاعل الوسائل المتاحة ويقارنها لتحقيق أفضل نتيجة ممكنة (مثل: مهندس يبني جسراً بأقل تكلفة، أو جندي يخطط لمعركة لتحقيق النصر).
- الفعل العقلاني القيمي (Value-Rational ): هو الفعل الذي يُوجَّه بقيمة جوهرية أو مبدأ أخلاقي أو ديني أو جمالي، بغض النظر عن نتائجه المادية أو المكاسب (مثل: جندي يفضل الموت في المعركة على الانسحاب لأن شرفه العسكري يفرض ذلك).
- الفعل العاطفي أو الانفعالي (Affectual / Emotional): هو الفعل الذي يصدر نتيجة مشاعر آنية أو حالات نفسية وانفعالية مثل الغضب، أو الفرح، أو الخوف، أو الحب.
- الفعل التقليدي (Traditional): هو الفعل الذي يتم القيام به تلقائياً وبشكل معتاد وفقاً للعرف والعادات والتقاليد المتوارثة دون تفكير نقدي (مثل: تقبيل يد الوالدين، أو الالتزام بطقوس احتفالية معينة ورثها الأبناء عن الأجداد).
بالاستناد الى ما سبق من تساؤلات، اميل الى الاعتقاد ان الفعل الذي اقدمت عليه حماس ليس فعلا عقلانيا هادفا، بل هو مزيج من النماذج الثلاثة الأخيرة، يهدف الى تحقيق قيم دينية في بذهنية تقليدية وفي حالة نفسية من الانفعال والغضب.
فلنقرأ ما قالته حماس على لسان السنوار: "ان حركه حماس لا يمكن ان تكون قابله للضغط. ونحن نقول، وجماهير شعبنا من ورائنا، اننا جاهزون لنكون كاصحاب الأخدود. وقصه اصحاب الاخدود معروفه لجماهير شعبنا وامتنا. نحن جاهزون لان نفنى جميعا، حتى اخر طفل فينا ولا ان تمرر علينا مثل هذه الصفقات. ونحن لا يمكن ان نستجيب لاي ضغط كائنا من كان. قلنا ونكرر أننا جاهزون لان نقتل عن بكره أبينا، أن نُحرَق كما حُرق اصحاب الاخدود لتعيش فكرتنا. اقول ذلك واكرر أننا مستعدون لأن نصبح كاصحاب الأخدود، أن نفنى جميعا، رجالا ونساء وأطفالا، ولا ان نتنازل عن ثابت من ثوابت قضيتنا."
النتيجة الاكيدة والفاقعة والمؤلمة بعد ثلاث سنوات على "طوفان الاقصى" هي: ضاعت فلسطين وانتصرت قضيتها. انتصرت قضية فلسطين على مستوى الموقف الحكومي والشعبي في معظم دول العالم، من خلال الاعتراف بعدالتها و إدانة اجرام الاحتلال الإسرائيلي ووصفه بفعل إبادة جماعية؛ بالمقابل ضاعت فلسطين كأرض قابلة للعيش عليها، وشعبها معرّض للإبادة او للتهجير القسري في غزة وفي الضفة الغربية. الا تشبه هذه النتيجة ما قاله السنوار اعلاه:":....أننا جاهزون لان نُقتل عن بكرة أبينا، أن نُحرَق كما حُرق اصحاب الاخدود لتعيش فكرتنا". وهكذا كان.
أكثر ما اخشاه أن يكون حزب الله "جاهزا" أيضا للمصير نفسه، والا تكون تصريحات قياداته واتباعه، مجرد آلية دفاعية نفسية اسمها "الإنكار"، بل أيضا تعبيرا عن عقيدة دينية انتحارية. ومن حقنا كلبنانيين ان نخاف خاصة على المواطنين من الشيعة، عندما نسمع تكرارا من قيادة الحزب وصفه للقتلى والجرحى والبيوت المهدمة أو المجروفة ب"الآثار الجانبية للحرب"، كما نسمع من اتباعه "أن احتلال مئة ضيعة بدل الستين التي تحتلّها إسرائيل ليس مشكلة....فإذا بروح البلد كلو احسن ما يروح يلي رجّع البلد."

