ما وراء العداء.. إسرائيل التي يجب أن نعرفها
ما وراء العداء.. إسرائيل التي يجب أن نعرفها
لا يكفي أن نعرف ما يقوله السياسي الإسرائيلي، بل علينا أن نفهم المجتمع الذي يمنحه صوته، والمؤسسات التي تصنع قوته، والتناقضات التي تحكمه.
بعد المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، أتت مناسبة الانتخابات الإسرائيلية للتعرّف إلى هذا المجتمع، ولو من بعيد. ففي نهاية المطاف، هؤلاء جيراننا، ومعرفة المجتمعات المحيطة بنا ضرورة لفهم المنطقة التي نعيش فيها. فالجغرافيا تفرض علينا التعامل مع الوقائع، سواء أعجبتنا أم لم تعجبنا، والجهل بالآخر لا يغيّر من حقيقة وجوده ولا من تأثيره في مستقبلنا.
للصراحة، يلفت النظر غنى المجتمع الإسرائيلي الثقافي والفكري والفني. ففي الأدب، يمكن قراءة عاموس عوز ودافيد غروسمان وأبراهام يهوشواع، والتعرّف إلى شعر يهودا عميحاي، وفي الفكر إلى مارتن بوبر ويشعياهو ليبوفيتش، وفي التاريخ إلى بيني موريس وإيلان بابيه وشلومو ساند، على اختلاف رواياتهم ومقارباتهم السياسية. وفي المسرح والسينما والموسيقى والفنون التشكيلية، ثمة تجارب ومؤسسات تستحق الاطلاع والدراسة، من مسرح هبيما إلى متحف إسرائيل ومتحف تل أبيب للفنون، ومعظم مقتنيات هذه المتاحف متوفر رقمياً.
وعلى المستوى الأكاديمي، تبرز الجامعة العبرية في القدس، والتخنيون في حيفا، ومعهد وايزمان للعلوم، وجامعة تل أبيب، وجامعة بن غوريون في النقب. وهي مؤسسات تعكس حضور البحث العلمي في المجتمع الإسرائيلي، ويمكن الوصول إلى جانب كبير من إنتاجها عبر الإنترنت.
لكنّ الأبرز هو التطور التكنولوجي، من تطبيقات الذكاء الاصطناعي في الطب والتشخيص، إلى التصوير الطبي والجراحة الروبوتية، ومن الزراعة الذكية والري بالتنقيط إلى تحلية المياه وإعادة استخدامها.
ففي بلد يعاني شحّ الموارد المائية، تحوّلت إدارة المياه إلى مجال للتطوير والاستثمار. أما نحن في لبنان، فما زلنا نهدر المياه، ونترك مساحات واسعة من أراضينا رهينة ضعف التخطيط، وننتظر المطر أو تجار التفاح والزيتون لإنقاذ مواسمنا الزراعية.
ليس الفارق في اختراع جهاز ذكي أو تطوير تطبيق متقدم فحسب، بل في وجود منظومة تربط الجامعات ومراكز الأبحاث بالشركات والاستثمارات، وتحول المعرفة إلى منتجات وخدمات. وهنا تبرز المقارنة التي ينبغي أن تقلقنا: لبنان قد لا يملك الكثير من الكفاءات والجامعات المهمة أو حتى العقول المبدِعة، لكنه من المؤكد أنّه يعاني ضعف المؤسسات وغياب التخطيط المستدام، فيما تتحول المعرفة في مجتمعات أخرى إلى عنصر من عناصر القوة الاقتصادية والاستراتيجية.
غير أنّ التقدم العلمي والثقافي لا يعني بالضرورة التقدم السياسي أو الأخلاقي. فالانتخابات الإسرائيلية تكشف مجتمعاً منقسماً بين اليمين واليسار، والمتدينين والعلمانيين، وبين رؤى متعارضة للدين والدولة والقضاء والأمن. كما تعكس صراعات حول مستقبل القيادة الإسرائيلية، والمحاسبة على إخفاقات السابع من تشرين الأول ٢٠٢٣، وكلفة المعيشة، والعلاقة بين المؤسسات الدينية والمدنية.
وتبقى القضية الفلسطينية اختباراً أساسياً لأي قراءة لهذا المجتمع. فالتنافس بين الأحزاب الإسرائيلية لا يعني بالضرورة اختلافاً جوهرياً في مقاربتها لحقوق الفلسطينيين، كما أنّ تغيير الحكومة لا يضمن تغيير السياسات. لذلك، من الضروري التمييز بين الخلافات الداخلية الإسرائيلية وبين المسائل التي تتقاطع فيها مواقف قوى سياسية متنافسة، خصوصاً في القضايا الأمنية والفلسطينية.
المجتمع الإسرائيلي ليس كتلة واحدة، تماماً كما أنّ المجتمع اللبناني ليس كتلة واحدة. داخله تنوّع ثقافي وديني ولغوي، وتيارات سياسية وفكرية متعارضة، وأصوات معارضة وانتقادات حادة للحكومة. كما يضم مواطنين عرباً فلسطينيين يواجهون أسئلة المساواة والمواطنة والتمثيل السياسي. وفهم هذا التعدد لا يعني تجاهل التناقضات أو تبرئة السياسات الإسرائيلية، بل يساعد على فهم المجتمع الذي ينتخب قيادته، ويحدد أولوياته، ويؤثر في مستقبل المنطقة.
أن تعرف جارك لا يعني أن توافقه، وأن تفهم مجتمعاً لا يعني أن تتنازل عن حقوقك. فمعرفة إسرائيل لا تعني التخفيف من المخاطر التي تواجه لبنان، مثلما أنّ نقد سياساتها لا يعفينا من ضرورة دراستها وفهمها.
لا يكفي أن نعرف ما يقوله السياسي الإسرائيلي، بل علينا أن نفهم المجتمع الذي يمنحه صوته، والمؤسسات التي تصنع قوته، والتناقضات التي تحكمه.
قد لا تغيّر الانتخابات الإسرائيلية طبيعة العلاقة بين البلدين، لكنها تذكّرنا بأنّنا لا نستطيع فهم المنطقة من خلال معرفة أنفسنا فقط. فالجغرافيا تفرض الجوار، والسياسة تفرض التعامل مع الوقائع، أما معرفة الآخر فتبقى خيار الأذكياء، تماماً كما أنّ البغض الأعمى هو خيار الجهلاء.

