منذ أكثر من أسبوعين وأنا غارق في تتبع أخبار فرنسا، في الصحف، على التلفزيون وعلى وسائل التواصل الاجتماعي. تواصلت مع أصدقائي اللبنانيين في فرنسا، ومع صديق فرنسي يعيش في لبنان، ومع صديق لبناني- فرنسي صودف أنّه يزور لبنان.
احاول أن أفهم ما يجري، ليس بدافع الحشرية الفكرية فحسب، بل بدافع الخوف على فرنسا أيضاً. فإضافة إلى سكني في فرنسا لسنة كاملة، فإنّني في سفري الدائم بين لبنان وأوروبا وأفريقيا، كنت أحرص دوماً على المرور في باريس، للتسكع في شوارعها متنقلاً من مقهى الى آخر، وبين مكتباتها ومتاحفها وحدائقها.
أحب فرنسا وخاصة باريس. يظهر هذا الحب جلياً في ما كتبته عنها سنة ٢٠١٨ في نص نشرته في كتابي «زهرة في حائط» بعنوان «التسكّع في باريس»: «الثقافة وليس كتاباً محدداً، الفن وليس فيلماً أو موسيقى محددة، الأنوثة وليس امرأة محددة، هو ما يغمرك ويعانقك وأنت تتسكع في باريس. تمشي مطمئناً إلى إنسانيتك، فخوراً بها، وأنت في حضرة الحرية والمساواة والإخاء، ثلاثي الثورة الفرنسية. قيمك الإنسانية العليا ترافقك أينما تسكعت....».
في الواقع ليس أينما تسكعت! فقد استكملت نصّي في حينه بشيء من الخيبة: « لكنّك حين تتسكع، ترى بأم العين، عن قرب، مشردين مهاجرين أو مواطنين ينامون في الشوارع، ويسألونك بإلحاح وبصمت خانق عن المساواة والإخاء والحرية.
نعم، تشعر بالمسؤولية وبغضب، رغم أنّك سائح ومتسكع. فماذا يفعل هؤلاء على الطرقات، ولماذا؟
تشعر أنّ قيمة إنسانية رابعة لا تزال ناقصة، وتخاف أن تسميها اشتراكية، لكنها ما يشبه اشتراكية أوروبية متصالحة مع الحرية تطل برأسها بخجل.»
كانت بالفعل في حينه تطل برأسها بخجل: الحزب الاشتراكي والحزب الشيوعي في أدنى قدرتهما التمثيلية، في وقت بدأ يظهر فيه حزب يساري جديد برئاسة جان لوك ميلانشون تحت اسم «فرنسا الأبية» (La France Insoumise).
لا ترضيني الترجمة الى العربية لاسم الحزب اليساري الجديد، فالمقصود بالفرنسية هو «فرنسا التي لا تخضع» أكثر مما هو مقصود «فرنسا الأبية». لكن حتى الترجمة الى العربية، على ما يبدو، متأثرة بمفاهيم النخوة والكرامة والإباء في ثقافتنا العربية.
لم يجذبني ميلانشون. لا أتكلم عن مضمون خطابه، بل عن نبرته التي تحمل شيئا من ملامح الشخصية المتسلطة. أحاول اليوم أن أتخطى هذا الانطباع السيكولوجي الأولي، وأصغي أكثر الى ما يقوله الرجل.
مؤشرات الأزمة الاقتصادية- الاجتماعية الفرنسية كثيرة: تراجع في النمو الاقتصادي؛ تحليق غير مسبوق لمستوى الدين العام(حوالي ١١٦ بالمئة من الدخل القومي الوطني في نهاية ٢٠٢٥)؛ تقلص قدرة الدولة الفرنسية على القيام بدورها الرعائي التاريخي، وهي من الدول القليلة التي بقيت صامدة بوجه النيوليبرالية التي راحت تقضم دور الدولة الاجتماعي؛ تراجع القدرة الشرائية للأجور؛ تزايد نسبة الفقراء(حوالي المليون فرنسي)؛ الغلاء المتصاعد والمتفاقم بفعل الحرب الاميركية- الايرانية، وغيرها من المؤشرات. لذلك لم يكن مستغرباً انطلاق احتجاجات تلاميذ المرحلة الثانوية على أوضاع التعليم الرسمي المتردية، واتساع حجم تحركاتهم، والصدى الشعبي الإيجابي لما يطالبون به، وتأييد النقابات والأحزاب وخاصة اليسارية منها لهذه المطالب.
إحجام السلطة عن محاورة التلاميذ، ولجوء قسم من هؤلاء إلى أعمال الحرق والتكسير، الذي ترافق مع ممارسة قمعية مبالغ فيها من قبل السلطة، أجّج النزاع وتداخلت فيه الدوافع الاجتماعية مع الدوافع السياسية، على بعد ستة أشهر من الانتخابات الرئاسية. مما أدى الى انفلات الممارسات العنيفة في معظم المدن الفرنسية في يوم ١٧ اكتوبر الحالي: ممارسات فاقت قدرة السلطات على لجمها، مخلفة وراءها عدداً كبيراً من المؤسسات والمحال التجارية المحطّمة أو المنهوبة، فضلاً عن اقتحام أو إحراق مقرات بعض البلديات.
استخدام العنف من قبل المتظاهرين على نطاق واسع سرعان ما نقل القضية من قضية مطالب تلاميذ وأزمة معيشية إلى قضية أخلاقية - سياسية (ممارسة العنف)، حيث راحت الأحزاب تتبادل الاتهامات حول مسؤوليتها في الترويج للعنف وممارسته.
لطالما تفادت الحركات الاجتماعية الوقوع في مطبّين، إذا صح التعبير: مطب العنف ومطب الاستخدام السياسي للتحركات. في معظم الأحيان، كانت ممارسة العنف من قبل أفراد الحركات الاجتماعية ترتد عليها سلبياً، وتكاد تضيّع مطالبها، أكان ذلك من خلال ردود الفعل السلبية تجاهها من قبل الرأي العام، أو من خلال إعطاء حجة إضافية للسلطات للجوء إلى القمع.
أما الاستخدام السياسي لمطالبها، فهو أيضا من أخطر ما تواجهه. ففي حين تفضل الحركات الاجتماعية تحقيق مطالبها من قبل السلطة عبر التفاوض وبعض الضغط، يعمل الاستخدام السياسي عادة على تسجيل نقاط سياسية من خلال تفضيل تراكم العوامل التي تؤدي إلى عجز السلطة عن تحقيق المطالب.
لم يبرر أي من الأحزاب الفرنسية الرئيسية، أو من النقابات، أو من تجمعات التلاميذ، الممارسات العنفية في ١٧ أكتوبر. ولم يجرِ الترويج لضرورات «العنف الثوري» على لسان أي من الأطراف الفرنسية الرئيسية المشاركة في المظاهرات، على عكس بعض التعليقات «اليسارية» أو «الإسلامية» عندنا، والتي «تثيرها» مشاهد العنف، فتحسبها «ثورة».
لا ثورة في فرنسا اليوم تستدعي عنفاً ثورياً، كما أنّ الأحزاب السياسية والمنظمات المدنية الفرنسية تخلت في إيديولوجياتها عن العنف الثوري. حتى حزب «فرنسا الأبية»، الذي وجّهت إليه اتهامات بالتحريض على العنف وبممارسته، والذي يتبنّى بعض المقولات الماركسية، يتكلم عن «الثورة المواطنية»، أي عن التغيير ولو الجذري، لكن من خلال آليات النظام الجمهوري الديمقراطي.
وحدها بعض الجماعات التي شاركت في تحركات ١٧ أكتوبر، والمعروفة بالبلاك بلوكس black blocs أو بالألترا -غوش ultra-gauche، تعتمد العنف عقيدة ثورية، وتعتبر الممارسات العنفية في مواجهة كافة مظاهر الرأسمالية نهجاً ثورياً بحد ذاته. وهذه الجماعات تشكل أقلية داخل المجتمع الفرنسي، وهي تتألف من أفراد متعددي الجنسيات يتساندون في تحركاتهم المتنقلة من بلد إلى آخر.
الاتهامات بممارسة العنف، وبتكسير المحال التجارية ونهبها، طاولت الجماعات من أصول عربية ومسلمة. هذه الاتهامات اعتاد على إطلاقها «التجمع الوطني» بقيادة مارين لوبان، أي ما يُعرف باليمين المتطرف، كما اعتاد على نفيها حزب «فرنسا الأبية» بقيادة ميلونشون، أي ما يُعرف باليسار المتطرف.
في صراعهما السياسي بشكل عام، وفي تنافسهما على رئاسة الجمهورية بشكل خاص، يضع الحزبان الموقف من الأقلية العربية المسلمة في فرنسا في صلب خلافهما. ففي حين يعتبرها «التجمع الوطني» سبباً رئيسياً للمشكلات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، تتبنّى «فرنسا الأبية» مهمة الدفاع عنها، باعتبارها مجموعة مهاجرة تستحق الاحترام والإعتراف بخصوصياتها، وهي ليست مسؤولة عن المشكلات الإقتصادية والاجتماعية التي تسبّبت بها السياسات المعتمدة من السلطات السياسية المتعاقبة.
صفة التطرف عند الحزبين المذكورين، تتمظهر أكثر ما تتمظهر، في كلامهما المبالغ فيه، ولو في اتجاهين معاكسين، عن الجماعة العربية -المسلمة في فرنسا. ولا بدّ من الملاحظات التالية حول هذا التطرف في تقدير الأمور وفي التعبير عن المواقف:
أولا، لم ينتج عن العولمة حرية انتقال للرأسمال وللعمالة فحسب، بل ساهمت العولمة في تأجيج الهويات الدينية والإثنية التي يدافع من خلالها الفرد عن غربته وعزلته في عالم معولم يتحكم باقتصاده ومعيشته وأذواقه وثقافته. وهذا لا ينطبق فقط على الجماعات العربية - المسلمة في دول الاغتراب، كما تروّج الدعاية اليمينية المعممة أوروبياً، بل أيضاً على جماعات اتنية ودينية اخرى.
ثانياً، إنّ الاعتراف بظاهرة تأجيج الهويات لا يسمح بالاستخفاف بالمشكلات الاجتماعية والثقافية والأمنية التي تطرحها مسألة اندماج هذه الهويات في مجتمعاتها الجديدة، كما توحي بعض مواقف «فرنسا الأبية». وخاصة إذا كانت هويات مبنية على أساس ديني وتريد العيش في مجتمعات علمانية، كما هي حال الجماعة العربية -المسلمة في فرنسا. وأعتقد أيضاً أنّ «فرنسا الأبية» وهي تصف «التجمع الوطني» بالحزب الفاشي، تقفز فوق خطر تحالفها الانتخابي مع أنصار محتملين لإسلام سياسي يحمل مشروع فاشية دينية لا لبس فيها، وكارهة للغرب المسيحي بما يحمل من تاريخ استعماري ومن قيم علمانية وليبرالية اجتماعية. إضافة إلى تحفظي على الخفة الفكرية في إسقاط صفة الفاشية المرتبطة بحقبة تاريخية سابقة وفي نظام سياسي مختلف، على «التجمع الوطني»، رغم تبنيه لبعض عناصر الايديولوجية الفاشية. يذكّرني ذلك بإستسهال اطلاق صفة الفاشية على الأحزاب المسيحية إبان الحرب اللبنانية وما بعدها، من قبل يسار أصبح ممانعاً، وهو ذو نزعة ستالينية مستبدة، ومتحالف مع أصولية اسلامية تمتهن الممارسات الفاشية على المستوى السياسي والاجتماعي والثقافي.
ثالثاً، ليس مقنعاً تغاضي اليسار بشكل عام عن واقع أنّ هناك اكثرية من بين العمال والأجراء تؤيد «التجمع الوطني»، والاكتفاء باتهام هذا الأخير بالفاشية. فموقف العمال والأجراء هذا ليس فقط، كما قد يظن اليسار، نتيجة تأثرهم بالدعاية الفاشية التي تضعهم وجهاً لوجه مع عمال وأجراء جماعات المهاجرين، كمنافسين لهم في سوق العمل كما في توزيع الإنفاق على التقديمات الاجتماعية. بل هو أيضاً انعكاس لواقع تنافسي موضوعي يختبره هؤلاء العمال، وإن كان مبالغ فيه من قبل اليمين المتطرف. على اليسار أن يحاكي هذه الهموم العمالية وأن يجد معالجات لها، إلا إذا كان يتبنّى الأيديولوجيا اللينينية التي لا تثق بوعي العمال وتفتي بضرورة تلقينهم هذا الوعي من الخارج أي من الحزب الشيوعي أو ممن حل مكانه حالياً.
يبدو لي أنّ اليسار الفرنسي يكرّر مواقف الأحزاب الشيوعية في حقبة النازية في المانيا والفاشية في إيطاليا، حيث أنّ هذه الأحزاب لم تستوعب ولم تحسن التعامل، مع ظاهرة تأييد العمال لهتلر في ألمانيا ولموسيليني في ايطاليا، واكتفت بالإدانات اللفظية التي تربط ميكانيكياً بين الرأسمالية والفاشية، دون اعتبار للجذور الثقافية والسيكولوجية للفاشية. مما فتح الباب واسعاً أمام صعودهما في كل من الدولتين، تماما كما يحصل اليوم مع صعود اليمين المتطرف سنة بعد سنة، ويوماً بعد يوم خلال الأزمة الحالية.
أكثر ما يقلني على مصير فرنسا هو خطاب الكراهية على لسان اليمين المتطرف كما على لسان اليسار المتطرف. فإذا كان الخطاب التحريضي لليمين المتطرف على العرب والمسلمين وعلى الجماعات المهاجرة بشكل عام، فاقعاً في نشره للكراهية في أوساط الشعب الفرنسي، فإنّ خطاب اليسار المتطرف الذي يركّز أكثر ما يركّز على «فاشية» اليمين المتطرف، من خلال اتهام قسم كبير من الفرنسيين بالفاشية(أكثر من ثلث المواطنين الفرنسيين يؤيدون اليمين المتطرف وهو أكبر حزب سياسي حالياً في فرنسا)، يجعل من هؤلاء «الفاشيين» جماعة معادية لقيم الجمهورية، وبالتالي هدفاً مشروعاً لكل من يريد الدفاع عن قيم هذه الجمهورية، التي هي بمثابة القيم المقدسة في فرنسا.
لا يمكن أن ينتج عن هذا الإستنفار الايديولوجي إلا انقسام شعبي حاد، يسهل معه تطور الأوضاع إلى حرب أهلية، في ظروف إقليمية ودولية مؤاتية. أو في الحد الأدنى، سيؤدي ذلك الى أزمة حكم مستعصية مهما كانت نتائج الانتخابات الرئاسية. لا سيما أنّه بحسب اعتقادي لن يكون سهلاً على الطرفين إذا حكما أو على طرف آخر وسطي، أن يجدوا حلولاً ناجعة للازمة المعيشية إلا في الإطار الأوروبي ككل، لارتباط اقتصاديات بلدان الإتحاد بعضها ببعض بشكل وثيق، هذه البلدان التي تشهد تحركات متشابهة واستقطابات سياسية شبيهة. وربما كان الكلام عن رغبة بريطانية للعودة الى الاتحاد الاوروبي، مؤشراً الى الحاجة الى الاطار الأوروبي في حلّ الازمات الوطنية.
مع أنّ تعبير «فرنسا الابية» لا يخلو من نزعة قومية، وتعبير «التجمع الوطني»لا يخلو من نزعة جمهورية، آمل ألا تدخل أدبيات التخوين الى قاموس الصراع بين الطرفين في فرنسا، كما في الحالة اللبنانية. في جميع الأحوال، تبقى مقلقة صعوبة التوفيق بين من يُعتبر خائناً - ضمنياً- للوطن من خلال تحالفه مع جماعات من أصول غير فرنسية (اليسار المتطرف)، ومن يُعتبر خائناً- ضمنياً أيضاً- للجمهورية من خلال تنكره لقيم الجمهورية القائمة على المساواة بين جميع المواطنين بغض النظر عن جنسيتهم الأصلية (اليمين المتطرف)؟ أين نحن من الحقبة التي كان فيها اليمين واليسار، قادرَين حتى على المساكنة في حكومة واحدة والاتفاق على حد أدنى من السياسات في الاقتصاد والاجتماع والثقافة والعلاقات الخارجية؟