ترامب لم يُهَن في الانتخابات… بل دفع ثمن إذلال نفسه

ترامب لم يُهَن في الانتخابات… بل دفع ثمن إذلال نفسه

  • ٠٤ تشرين الثاني ٢٠٢٦
  • أنطوني سعد

لم تُذلّ الانتخابات ترامب تلك الليلة. لقد اكتفت بعرض نتيجة ستة أشهر أمضاها في إذلال نفسه.

في ساعة متأخرة من الليل، كانت خريطة الولايات المتحدة تتلوّن بالأزرق ولايةً بعد أخرى، فيما تتساقط مقاعد الجمهوريين على شاشات التلفزة. داخل معسكر دونالد ترامب، حلّ الصمت مكان خطابات النصر، وباتت الأرقام أقوى من أي منشور غاضب أو ادعاء جديد بالتزوير.

خسر ترامب مجلس الشيوخ ومجلس النواب، وتلقّى الحزب الجمهوري هزيمة أسوأ مما توقّعته استطلاعات الرأي. لكن هذه النتيجة لم تولد في ليلة الانتخابات، بل بدأت قبل ستة أشهر، عندما اختار الرئيس الأميركي أن يحوّل الحرب مع إيران إلى سلسلة من التهديدات الفارغة والتراجعات المذلّة.

بعد ارتفاع أسعار الوقود، هرب ترامب من المواجهة ووقّع مذكرة تفاهم فاشلة رعاها قائد الجيش الباكستاني عاصم منير، وهندسها جي دي فانس بدعم قطري. حاول البيت الأبيض تقديم الاتفاق إلى الأميركيين باعتباره انتصاراً تاريخياً، رغم أن بنوده كانت شبه مستحيلة التنفيذ، وأنه ترك الملفات الأساسية، من البرنامج النووي الإيراني إلى مستقبل مضيق هرمز، معلّقة على مفاوضات جديدة.

لكن ترامب لم يكتفِ باتفاق ضعيف، بل حاول فرضه على حلفائه بدلاً من فرضه على إيران.

وبطلب من طهران، ضغط على إسرائيل لوقف حربها ضد حزب الله في لبنان، وأدخل الجبهة اللبنانية في الصفقة الأميركية–الإيرانية. بذلك، تضرّرت علاقته بإسرائيل، بينما حصلت إيران على ما تريده من دون أن تقدّم للولايات المتحدة أي تنازل حقيقي.

أما حلفاء واشنطن في الشرق الأوسط، فكانوا يتعرّضون للهجمات الإيرانية، بينما وقف الرئيس الأميركي يطالبهم بضبط النفس حفاظاً على اتفاق لا تحترمه طهران أساساً.

ومنذ ذلك الحين، بدأ العرض الأسبوعي المثير للسخرية.

كان ترامب يخرج كل أسبوع ليعلن أنّ الولايات المتحدة انتصرت في الحرب، فيما كانت السفن في مضيق هرمز تتعرّض للصواريخ الإيرانية. ثم كان يتحدث في كل نهاية أسبوع عن حرب جديدة وضربة وشيكة، قبل أن يتراجع في اللحظة الأخيرة لأنّ عاصم منير وجي دي فانس والقطريين لا يريدون الحرب.

تهديدات الرئيس الأميركي فقدت قيمتها. فطهران أدركت أنّ بإمكانها تجاهلها، وإسرائيل فهمت أن واشنطن مستعدة للضغط عليها، والأسواق لم تعد تصدّق وعوده. أما المواطن الأميركي، فلم يرَ الانتصار الذي يتحدث عنه ترامب، بل رأى أسعار الوقود تواصل ارتفاعها، وحرباً مستمرة، ورئيساً يبدّل مواقفه من أسبوع إلى آخر.

هدّد ثم تراجع. أعلن النصر ثم عاد إلى التفاوض. توعّد إيران ثم ضغط على إسرائيل، ووعد الأميركيين بانخفاض أسعار الوقود فاستمرت في الارتفاع. حاول الظهور بصورة رجل الحرب ورجل السلام في الوقت نفسه، فانتهى بلا حرب حاسمة وبلا سلام حقيقي.

وعندما بدأت خرائط الولايات تتلوّن بالأزرق، لم يكن الناخب الأميركي يصنع هزيمة ترامب، بل كان يوقّع عليها.

لم تُذلّ الانتخابات ترامب تلك الليلة. لقد اكتفت بعرض نتيجة ستة أشهر أمضاها في إذلال نفسه.