لا داعي للقلق... ترامب لن يتغيّر

لا داعي للقلق... ترامب لن يتغيّر

  • ٠٥ تشرين الثاني ٢٠٢٦
  • جو حمّورة

الفترة الفاصلة بين الانتخابات وتسلّم المجلس الجديد تمنحه هامشاً زمنياً إضافياً للتحرّك، كما أنّ صلاحياته التنفيذية في السياسة الخارجية تبقى واسعة

لم تكن الانتخابات النصفية الأميركية مجرد خسارة عابرة للحزب الجمهوري، بل شكّلت ضربة سياسية قاسية لدونالد ترامب، بعدما نجح الديمقراطيون في انتزاع السيطرة على مجلسي الشيوخ والنواب، وتحقيق اختراقات انتخابية في ولايات لطالما عُدّت معاقل جمهورية. إنّها رسالة واضحة من الناخب الأميركي إلى البيت الأبيض، عنوانها الاعتراض على الأداء الاقتصادي، وكلفة الحرب مع إيران، وطريقة إدارة ترامب للبلاد.

لكن السؤال الذي يهم المنطقة، ولبنان تحديداً، ليس ما إذا كان ترامب قد خسر الانتخابات، بل ما إذا كانت هذه الخسارة ستدفعه إلى تغيير سياساته الخارجية. والجواب، على الأرجح، هو لا. فترامب قد يضطر إلى تعديل أدواته، لكنه لن يتخلى بسهولة عن نهجه، بل قد يصبح أكثر تشدّداً في محاولة استعادة المبادرة السياسية وإثبات أنّ خسارة الكونغرس لا تعني خسارة الرئاسة.

تاريخياً، يخسر معظم الرؤساء الأميركيين مقاعد في الانتخابات النصفية، وغالباً ما تتحوّل هذه الانتخابات إلى استفتاء على أداء الإدارة القائمة. غير أنّ ما جرى في ٢٠٢٦ يتجاوز التراجع التقليدي، إذ خسر الجمهوريون المجلسين في ظل استياء واسع من ارتفاع تكاليف المعيشة، والحرب مع إيران، وتراجع الثقة بقدرة ترامب على إدارة الملفات الداخلية.

ومع ذلك، فإنّ الناخب الأميركي لا يصوّت بالضرورة على السياسة الخارجية بوصفها قضية مستقلة. فهو يهتم بالحروب بقدر ما تنعكس على حياته اليومية: أسعار الوقود، التضخم، فرص العمل، والقدرة الشرائية. وقد أظهرت نتائج الانتخابات أنّ كلفة الحرب مع إيران وأسعار الطاقة ساهمتا في معاقبة الجمهوريين انتخابياً.

من هنا، لا ينبغي تفسير الخسارة على أنّها رفض أميركي شامل لمبدأ القوة أو للسياسة المتشدّدة تجاه طهران، بل باعتبارها اعتراضاً على كلفة هذه السياسة ونتائجها الداخلية. وهذا فارق أساسي، إذ قد يقتنع ترامب بأنّ المشكلة لم تكن في أهدافه، بل في طريقة تنفيذها، أو في طول أمد المواجهة، أو في عدم ترجمتها إلى إنجاز ملموس يستطيع تسويقه أمام الناخبين.

ولا يعني ذلك أنّ ترامب سيستطيع تجاهل نتائج الانتخابات. فمع تسلّم الكونغرس الجديد صلاحياته في ٣ كانون الثاني ٢٠٢٧، ستصبح أمامه أكثرية ديمقراطية قادرة على تعطيل أجزاء من أجندته، وفتح تحقيقات في إدارته، وعرقلة تعييناته، وفرض قيود على التمويل والتشريعات. لكن الفترة الفاصلة بين الانتخابات وتسلّم المجلس الجديد تمنحه هامشاً زمنياً إضافياً للتحرّك، كما أنّ صلاحياته التنفيذية في السياسة الخارجية تبقى واسعة.

وفي الملف الإيراني، قد تكون نتائج الانتخابات قد قلبت ميزان النقاش داخل الإدارة الأميركية، من دون أن تحسمه. فهناك تياران يتنافسان على تحديد المسار: تيار يمثله ماركو روبيو، وزير الخارجية، الأكثر ميلاً إلى التشدّد والضغط العسكري، وتيار يمثله جاي دي فانس، نائب الرئيس، الأكثر تحفظاً تجاه الحروب الطويلة، والأقرب إلى تسوية تنهي المواجهة وتخفف أعباءها عن الولايات المتحدة.

وقد بدأ فانس بالفعل في تحميل الحرب مع إيران مسؤولية الخسارة الجمهورية، في موقف يعكس تمايزه عن ترامب وروبيو، ويمنحه فرصة لتقديم نفسه بوصفه صوتاً أكثر حذراً داخل الحزب الجمهوري، وربما في معركة خلافة ترامب عام ٢٠٢٨. أما روبيو، فيبقى أقرب إلى مقاربة ترى في استمرار الضغط ضمانة لفرض شروط أميركية أقسى على طهران.

لكن ترامب قد لا يمنح أيّاً من التيارين انتصاراً كاملاً. فهو قادر على الجمع بين التصعيد والتفاوض، واستخدام التهديد العسكري لتحسين شروط التسوية، ثم تقديم أي اتفاق باعتباره نتيجة مباشرة لسياسة القوة. وهذا ما يجعل التنبؤ بمسار العلاقة مع إيران أكثر تعقيداً من مجرد القول إنّ خسارة الانتخابات ستدفع واشنطن إلى الانسحاب من المواجهة.

بالنسبة إلى لبنان، لا تعني الهزيمة الجمهورية أنّ الضغط الأميركي سيتراجع تلقائياً، ولا أنّ واشنطن ستبدّل أولوياتها في ملفات سلاح حزب الله، وأمن إسرائيل، وترتيبات المنطقة. قد تتغير الوسائل، وقد تتقدّم الدبلوماسية على الخيار العسكري في مرحلة معينة، لكن ذلك سيبقى مرتبطاً بحسابات ترامب نفسه، وبما يراه إنجازاً يمكن تسويقه داخلياً.

الخلاصة أنّ ترامب خسر الانتخابات، لكنه لم يخسر الرئاسة، ولم يفقد بعد القدرة على التأثير في مسار الأحداث. لقد تلقى رسالة قاسية من الناخب الأميركي، لكنه قد يقرأها باعتبارها دعوة إلى تغيير الأسلوب لا الأهداف. وربما يصبح أكثر حذراً في الحروب التي تستنزف الاقتصاد، وأكثر تشدّداً في الملفات التي يعتقد أنّها تمنحه فرصة لاستعادة الهيبة.

لذلك، لا داعي للقلق من أنّ ترامب سيتغيّر، بل ينبغي القلق من أن تغيّره، إذا حصل، قد لا يكون في الاتجاه الذي يتوقعه خصومه. فالرجل الذي خسر الكونغرس قد يسعى إلى تعويض خسارته داخلياً عبر إنجاز خارجي، أو إلى فرض تسوية يعلنها انتصاراً، أو إلى تصعيد محسوب يعيد تثبيت صورته.

وفي كل الحالات، تبقى القاعدة الأهم: الانتخابات النصفية غيّرت ميزان القوى في واشنطن، لكنها لم تُنهِ عهد ترامب. وما بين اليوم و٢٠٢٨، سيبقى الرئيس الأميركي قادراً على المفاجأة، وعلى تحويل الهزيمة الانتخابية إلى فصل جديد من المواجهة السياسية.