إستعدّوا لأيام من الحرب القاسية… لبنان يدخل مرحلة الضوء الأخضر

إستعدّوا لأيام من الحرب القاسية… لبنان يدخل مرحلة الضوء الأخضر

  • ٢٩ تشرين الثاني ٢٠٢٥
  • أنطوني سعد

قبل أن يدوّي الرصاص على الحدود، دوّى التحذير في بيروت. العالم يرفع إصبعه، إنتبهوا… الوقت ينفد

لم تكن التحذيرات التي وصلت إلى بيروت خلال الأسابيع الماضية مجرد نصائح ديبلوماسية، بل إنذارات مكتملة الأركان. الموفدون توافدوا من كل حدب وصوب، من الولايات المتحدة، من فرنسا، من السعودية، ومن مصر، يحملون رسالة واحدة أشبه ببيان طوارئ دولي. العالم يقول للحكومة بوضوح: سلاح حزب الله جنوب الليطاني وشماله يجب أن يُعالَج فوراً، قبل أن تصبح الحدود مسرحاً مفتوحاً لحرب لا يمكن إحتواؤها لاحقاً.

لكن الدولة اللبنانية اختارت الوقوف في الاتجاه المعاكس لكل هذا الضغط. تبنّت سياسة النعامة بكل معانيها، دفن الرأس في الرمل والانتظار. أعلنت أنها تعمل على تنفيذ القرار 1701 جنوب الليطاني فقط، أما الشمال فمؤجل إلى «وقت لاحق»، وقت لا يعرف أحد متى يحلّ، ولا إن كان سيأتي أصلاً. الحكومة تراهن على حلّ خارجي، على صفقة أميركية – إيرانية قد تعالج ملف السلاح، وكأن الدستور أصبح تفصيلاً عابراً. الدستور الذي يقول بوضوح إنّ السلاح يجب أن يكون حصراً بيد الدولة، وإنّ الالتزام لا يكون في البيانات بل في التنفيذ الفعلي على الأرض. وفي إنتظار الخارج، تكون الدولة قد تخلت عملياً عن سيادتها.

وفي قلب كل هذه الضبابية، تتقاطع المعلومات الديبلوماسية مع تسريبات أميركية حساسة. مصدر أميركي يؤكد أنّ نهاية زيارة البابا للمنطقة ستكون النقطة الفاصلة؛ الضوء الأخضر سيُعطى لإسرائيل، والعمليات قد تبدأ في أيام تشبه الأيام الأخيرة من حرب 2024، لكن بقسوة مضاعفة وبمدى ناري قد يتخطّى 

كل ما عرفه لبنان سابقاً. الكلام ليس سيناريو تخويفياً، بل توصيف لمرحلة يعتبرها الأميركيون والإسرائيليون «لحظة مثالية» لفرض وقائع جديدة على الأرض، في ظل غياب شبه كامل للدولة اللبنانية.

وهنا تكمن الخطورة الأكبر؛ الضربات المقبلة لن تبقى على الحدود. وفق المقاربات العسكرية المتداولة، الضاحية الجنوبية ستكون مركز المواجهة، نقطة الإرتكاز لأي عملية إسرائيلية واسعة، مع إمتداد مباشر نحو بيروت نفسها. العاصمة التي كانت تُحسَب سابقاً خارج دائرة النيران، باتت اليوم ضمن بنك أهداف معلن، من مقرات سياسية إلى بنى تحتية، مروراً بطرق ومحاور استراتيجية. أي مواجهة جديدة لن تشبه 2024، ولن تكون محصورة بجنوب الليطاني أو خطوط التماس، بل ستتحول إلى حرب مدن حقيقية، تُضرب فيها مراكز الثقل السياسي والعسكري في قلب بيروت.

ومع ذلك، يدخل لبنان هذه المرحلة الأخطر وهو بلا غطاء سياسي. العالم مشغول بحروبه الكبرى، الإقليم يعيد رسم أولوياته، والدولة اللبنانية تبدو كمن خرج من المشهد بالكامل. الصمت الرسمي، الإنكار، الرهان على الخارج، كلها مؤشرات على سلطة فقدت أدوات الحكم وتركت الجنوب والشمال، بل العاصمة نفسها، مفتوحة أمام سيناريوهات متعددة.

أما حزب الله، فيقف أمام معادلة شديدة التعقيد. الضغط الدولي يتصاعد، إسرائيل تسرّع استعداداتها، والإيرانيون يعيدون ترتيب ملفاتهم مع واشنطن. الحزب يدرك أنّ إسرائيل تبحث عن فرصة لشنّ عملية واسعة، وأنّ أي خطأ في الحساب قد ينقل المواجهة من عمليات موضعية إلى معركة كبرى. لكنه في المقابل يعلّق آمالاً على أنّ المفاوضات الإقليمية قد تؤجل التصعيد، وإن لفترة قصيرة، ما يجعله في وضعية انتظار ضاغطة.

ومع ذلك، يسير لبنان بخطى ثابتة نحو أيام قاسية. ليس فقط بسبب احتمال الحرب، بل لأن الأرض باتت مكشوفة بالكامل. القرار فُقد مركزه، الدولة فقدت دورها، والميدان أصبح ملكاً لمن يملك القوة لا الشرعية. أي عملية إسرائيلية اليوم قد تتطور خلال ساعات إلى سيناريو أوسع بكثير مما يمكن تحمله، ليس 
لأنّ إسرائيل تريد الحرب فقط، بل لأنّ لبنان لم يعد قادراً على منعها.

وفي نهاية هذا المسار، يظلّ اللبنانيون وحدهم في مواجهة النيران المقبلة. دولة تتخلى، عالم ينشغل، وحدود وعاصمة مفتوحتان على المجهول. أما الناس، فهم كالعادة، يدفعون الثمن الأكبر، ثمن دولة عاجزة ومحور متهور، وثمن صراع يتقدم نحو قلب بيروت بلا إنذار وبلا خلاص إلا بانتظار أن تمرّ العاصفة.