حرب غير متوقعة: هل تفتح سوريا جبهة ضد لبنان؟
حرب غير متوقعة: هل تفتح سوريا جبهة ضد لبنان؟
الحدود اللبنانية-السورية قد تتحول إلى جبهة جديدة، تُضاف إلى جبهات الشرق الأوسط المشتعلة، في صراع لن يكون فيه أحد بمنأى عن تداعياته.
في الوقت الذي ينشغل فيه الجميع باحتمال إندلاع حرب كبرى بين الولايات المتحدة وإيران، وبحملة جوية إسرائيلية واسعة في لبنان، تتشكل على هامش المشهد أزمة أخطر قد تنفجر من مكان غير متوقع: الحدود السورية - اللبنانية. فبينما تتركّز الأنظار على طهران وتل أبيب، يبدو أنّ دمشق تتحرك بهدوء نحو مسار تصعيد مختلف قد يغيّر قواعد اللعبة في المشرق كله.
في الأول من شباط، أعلنت الحكومة السورية بشكل رسمي أنّ حزب الله مسؤول عن الهجوم الذي استهدف حي المزة في دمشق. لم يكن هذا الإتهام معزولًا، بل جاء في سياق سلسلة تصريحات تتهم الحزب أيضًا باستخدام الأراضي السورية لتهريب صواريخ وطائرات مسيّرة، بما يضع سوريا في قلب صراعات لا تريدها. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة هو: لماذا الآن؟ ولماذا بهذه الحدّة؟
قراءة المشهد توحي بأنّ دمشق لا تكتفي بالدفاع، بل تبحث عن مبرّر سياسي وأمني لفتح مواجهة مع لبنان. فالإتهامات المتكررة لا تبدو مجرد رسائل احتجاج، بل تمهيدًا لسردية كاملة تقول إنّ حزب الله يهدد سيادة سوريا واستقرارها، وأنّ الدولة اللبنانية عاجزة عن ضبطه أو نزع سلاحه. بهذه المعادلة، تستطيع الحكومة السورية لاحقًا تبرير أي تحرك عسكري باعتباره «دفاعًا مشروعًا عن النفس»
التحوّل الأهم جاء مؤخرًا مع دمج قوات سوريا الديمقراطية في الجيش السوري، وهو تطور يمنح القيادة الجديدة بقيادة أحمد الشرع قدرة عسكرية أوسع مما كانت تمتلكه سابقًا. هذا الدمج لا يضيف فقط عناصر بشرية، بل خبرة قتالية على الأرض، ومرونة عملياتية تسمح بفتح جبهات متعددة إذا لزم الأمر. ومن هنا، بات لدى دمشق القدرة الفعلية على فتح جبهة جنوبية باتجاه لبنان تحت ذريعة أنّ حزب الله يسعى لزعزعة الحكم السوري، وأنّ بيروت لا تقوم بواجباتها في مسألة نزع سلاحه.
ما يعزّز هذا الإتجاه هو ما حصل في اليوم نفسه الذي صدرت فيه التهديدات السورية. فوفق مصدر محلي موثوق، حاولت مجموعة من الجيش اللبناني مصادرة سلاح مضاد للطيران ومدفع في منطقة آل جعفر، لكن الأهالي منعوها من ذلك. هذه الحادثة، وإن كانت محدودة، تُظهر أنّ الدولة اللبنانية ما زالت عاجزة عن فرض سلطتها الكاملة على مناطق نفوذ الحزب، وهو ما تستخدمه دمشق اليوم كدليل إضافي على «تقاعس» الحكومة اللبنانية.
صحيح أن حزب الله أعلن أنّه «ما إلو علاقة» بما يجري داخل سوريا، إلا أنّ الخطاب الرسمي السوري يبدو ثابتًا ومركّزًا على تحميله المسؤولية. هذا الإصرار يوحي بأنّ الأمر لم يعد مجرد خلاف سياسي، بل تحوّل إلى قضية أمن قومي بالنسبة لدمشق.
في المحصلة، بينما يستعد العالم لحرب محتملة بين واشنطن وطهران، قد نجد أنفسنا أمام حرب مختلفة تمامًا، تبدأ من دمشق لا من طهران، وتستهدف لبنان لا إسرائيل. وإذا استمرت هذه الدينامية من الاتهامات والتعبئة العسكرية، فإن الحدود اللبنانية-السورية قد تتحول إلى جبهة جديدة، تُضاف إلى جبهات الشرق الأوسط المشتعلة، في صراع لن يكون فيه أحد بمنأى عن تداعياته.

