فجر بلا حرب.. كيف تحوّلت التسريبات إلى فخّ لاختبار ثقة الحلفاء

فجر بلا حرب.. كيف تحوّلت التسريبات إلى فخّ لاختبار ثقة الحلفاء

  • ١٦ كانون الثاني ٢٠٢٦
  • أنطوني سعد

تحوّل فجر 15 كانون الثاني من موعد حرب محتملة، إلى واحدة من أذكى عمليات الفرز الإستخباري في المنطقة. الحرب لم تبدأ، لكن شيئاً تغيّر عميقاً في الكواليس.

حين بدا الإنفجار على الأبواب

في الساعات الأولى من فجر 15 كانون الثاني، بدا المشهد الإقليمي وكأنّه يتّجه نحو لحظة انفجار كبرى. مؤشرات متزامنة ومتسارعة أوحت بأنّ ضربة جوية أميركية ضد إيران باتت وشيكة. السفارات الأميركية في القدس وقطر والكويت أصدرت تعليمات لرعاياها بتوخي الحذر والإبتعاد عن القواعد الأميركية، السفارة البريطانية في طهران أغلقت أبوابها، عشرات شركات الطيران علّقت رحلاتها إلى إسرائيل والعراق وإيران، فيما أقدمت طهران نفسها على إغلاق مجالها الجوي. كل ذلك رسم صورة حرب على الأبواب. لكن شيئاً لم يحدث. لا ضربة، ولا تصعيد عسكري مباشر. فماذا جرى؟

التصعيد عملية إستخبارية مركبة

وفق مصادر استخبارية غربية مطّلعة، لم يكن ما جرى تمهيداً لضربة فعلية، بل عملية إستخبارية مركّبة، هدفها الأساسي إختبار منظومة التسريب داخل شبكة الحلفاء، وتحديد ما إذا كان هناك إختراق حقيقي في دائرة تبادل المعلومات الحسّاسة. ما بدا للعالم إستعداداً للحرب، كان في جوهره فخاً محسوباً بدقّة.

الإختبار نجح، والخرق تبيّن

تقول هذه المصادر إنّ واشنطن عمّدت إلى ضخّ معلومات غير مكتملة، متفاوتة المستوى، إلى عدد محدود من الشركاء، مع مراقبة مسار تسرّبها، وتوقيتها، والجهات التي التقطتها وعمّمتها. خلال ساعات قليلة، بدأت بعض التفاصيل بالظهور في قنوات غير رسمية، وعبر مسارات لا يُفترض أن تصلها معلومات من هذا النوع، ما أكد وجود تسريب فعلي.

الأخطر، بحسب المصادر نفسها، أنّ خيوط التسريب قادت إلى أجهزة استخبارية في دول خليجية، من دون أن تشمل دولة الإمارات. بل إنّ هذه الأجهزة، وفق التوصيف الغربي، «سارت مباشرة إلى داخل الفخ»، عبر نقل المعطيات إلى أطراف ثالثة، إمّا بدافع القلق من التصعيد، أو سعياً إلى لعب دور وقائي عبر تحذير قنوات مختلفة. النتيجة كانت واضحة: الإختبار نجح، والخرق تبيّن.

رسالة واشنطن.. لا توبيخ دبلوماسي بل إقصاء إستخباري

هذا يفسّر، بحسب التقدير الإستخباري، لماذا توقّف المسار فجأة. الهدف لم يكن توجيه ضربة، بل كشف الحلقة الأضعف في منظومة التنسيق، وإعادة رسم خريطة الثقة داخل المعسكر الغربي - الإقليمي. كما يفسّر لماذا لم يصدر لاحقاً أي تصعيد أميركي أو إيراني، ولم تُستكمل الإجراءات التي عادةً ما تسبق عملاً عسكرياً واسعاً.

الأهم في ما جرى ليس الضربة التي لم تقع، بل الرسالة التي أُرسلت. واشنطن أرادت أن تقول لحلفائها إنّ مرحلة التساهل انتهت، وإنّ أي تسرّب في لحظة حسّاسة قد لا يُقابَل بتوبيخ دبلوماسي، بل بإقصاء إستخباري كامل. في المقابل، تدرك إيران أنّ ما جرى لم يكن ضعفاً أميركياً، بل إدارة دقيقة للتصعيد، وأنّ الحرب، إن وقعت، فلن تُعلَن مسبقاً عبر مؤشرات كهذه.

هكذا، تحوّل فجر 15 كانون الثاني من موعد حرب محتملة، إلى واحدة من أذكى عمليات الفرز الإستخباري في المنطقة. الحرب لم تبدأ، لكن شيئاً تغيّر عميقاً في الكواليس.