الكُرد مرة أخرى.. الإنتصار على الضحية

الكُرد مرة أخرى.. الإنتصار على الضحية

  • ٢٠ كانون الثاني ٢٠٢٦
  • جو حمّورة

) ليست قضية الكرد شأناً أقلوياً عابراً، بل عار دول كاملة. عار أنظمة سورية وتركية وإيرانية شيّدت شرعيتها على النفي، وعلى تراتبية قسرية تُقدِّم هوية على أخرى

لم تأتِ سيطرة قوات الدولة السورية برئاسة أحمد الشرع على معظم المناطق التي كانت خاضعة لسيطرة للكرد و «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) كتحوّل مفاجئ في مسار الأحداث، بل كحلقة جديدة في سلسلة قديمة، طويلة، ومُرهِقة من الغدر.

 

ما جرى في الأيام القليلة الماضية ليس حدثاً عسكرياً معزولاً، بل تتويجاً لتاريخ كامل من الخذلان، حيث يُطلب من الكرد دائماً أن يكونوا جنود المعارك، ومن ثم ضحايا التسويات.

 

الإتفاق الذي وُقّع بين الحكومة السورية وقائد «قسد» مظلوم عبدي لم يكن اتفاق شراكة، بل وثيقة إستسلام سياسي. لم يحمل إعترافاً حقيقياً بالكرد كشعب، ولا كقضية، ولا كحقّ. كان أشبه بمرسوم إذعان، لكأنّ الحكم السوري قال لهم «سلّموا ما دافعتم عنه، وعودوا إلى الصف، فالدولة تعرف مصلحتكم أكثر منكم». هكذا، ببساطة، يُعاد إنتاج منطق الدولة المركزية نفسها، لكن بأسماء جديدة وخطاب أكثر وقاحة.

 

ليست هذه المرة الأولى التي يُخدَع فيها الكرد بإسم الدولة، ولا بإسم العروبة، ولا بإسم الإسلام، ولا بإسم محاربة الإرهاب. منذ دخل الكرد الإسلام سلماً، بلا سيف ولا فتوحات، وهم يدفعون ثمن صراعات لم يكونوا طرفاً فيها. لم يكن لهم شأن بحادثة «سقيفة بني ساعدة»، ولا باغتيال عمر أو عثمان أو علي، ولا بحروب الخلافة عند هودج الجمل وصفّين والنهروان وكربلاء والحرّة... ولا بثورة عبدالله بن الزبير أوصراعات بني أمية وبني هاشم. ومع ذلك، كُتبت عليهم لعنة الجغرافيا، أن يولدوا بين العرب والترك والفرس، في منطقة لا تعرف من الدولة إلا إسمها، ولا من الدين إلا سيفه.

 

في كل منعطف تاريخي، كان الكُرد حطب الحروب. حين تصارع العرب والفرس، دُمّرت كردستان. وحين تنازع الترك والفرس، سال الدم الكردي. وحين اقتتل العرب والترك، كان الكرد دائماً في المنتصف، بلا حلفاء حقيقيين، وبلا دول تحميهم. التاريخ هنا لا يُدار بالعدالة، بل بالقوة، والكرد لم يملكوا يوماً ترف القوة الكافية ليُسمَع صوتهم.

 

في سوريا تحديداً، تتكرر المفارقة حدّ الوقاحة. الكرد لم يرفعوا السلاح في وجه الدولة السورية منذ نشأتها. لم يطالبوا بحكم، ولا بانفصال، ولا بقصر رئاسي. وحين رُفع السلاح، رفعه العرب المسلمون السنة، في الستينيات، ثم في أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات، ثم منذ عام 2011. ومع ذلك، حين قررت الدولة أن تبحث عن «عدو داخلي»، كان الكرد دائماً الخيار الأسهل.

 

عام 2004، انتفض الكرد وحدهم ضد نظام «البعث»، ودفعوا الثمن وحدهم. عام 2011، شاركوا في الثورة بالكلمة والمظاهرة، لا بالذبح ولا بالتكفير. وحين تحوّلت الثورة إلى حروب سلطات ومشاريع إقليمية، بقوا على الهامش، يُتَّهمون حيناً بالإنفصال، وحيناً بالعمالة، وحيناً بعدم الوطنية. الوطنية هنا، كما العادة، تعريف يُفصَّل على قياس الغالب.

 

اليوم، يعيد نظام أحمد الشرع إنتاج المعادلة نفسها. دولة «عربية» بالإسم، «إسلامية» بالممارسة، «سنية» في بنيتها العميقة، لا ترى في الكرد سوى أقلية يجب إخضاعها. وحين يقول منظّرو هذا النظام إنّ «الكرد إخوة في الحقوق والواجبات»، يسقط الخطاب عند أول سؤال بسيط: هل يحق للكردي أن يكون رئيساً؟ أو رئيس حكومة؟ أو وزير دفاع؟ عندها تنكشف الحقيقة كما هي، الأخوّة مشروطة، والمساواة مؤجلة، والدولة ملك للأكثرية لا لعموم مواطنيها.

 

ما جرى مؤخراً لم يكن فقط هزيمة عسكرية وسياسية للكرد، بل صفعة أخلاقية للعالم. الكرد الذين حاربوا «داعش»، ودفعوا دماء شبابهم وشاباتهم دفاعاً عن مدن لا تعنيهم قومياً، تُركوا مرة أخرى على قارعة الطريق. العالم الذي صفق لهم بالأمس، اختار اليوم «الاستقرار» على حسابهم. ليس لأنّهم مخطئون، بل لأنّهم الحلقة الأضعف في ميزان المصالح.

 

ليس السؤال هنا لماذا خسر الكرد؟ بل لماذا يُطلب منهم دائماً أن يخسروا بصمت. لماذا يُمنع عليهم الغضب، ويُدان اعتراضهم، ويُجرَّم دفاعهم عن أنفسهم، فيما تُشرعن كل أشكال العنف حين تصدر عن الدولة أو بإسم الأكثرية.

 

ليست قضية الكرد شأناً أقلوياً عابراً، بل عار دول كاملة. عار أنظمة سورية وتركية وإيرانية شيّدت شرعيتها على النفي، وعلى تراتبية قسرية تُقدِّم هوية على أخرى، وديناً على سواه، وقومية على ما عداها. وما الإتفاق الأخير سوى صفحة إضافية في سجل طويل، يحمل العنوان ذاته منذ البداية، شعب لم يُتح له يوماً أن يكون أكثر من بند على طاولة المساومات.

 

لعل مأساة الكرد لم تكن أنّهم وُلدوا في الجغرافيا الخطأ فحسب، بل أنّهم يعيشون في زمن لا يعترف إلا بمنطق القوة، في شرق لا يرى في الأخلاق فضيلة تُنقِذ، ولا في الدفاع عن الآخر استحقاقاً يُكافأ. وهكذا، مرة أخرى، ينتصر منطق قسوة العالم... وتُهزم الضحية.