بالفيديو: أحمر الشفاه ... شرعنة الوصاية على شفاه المرأة
بالفيديو: أحمر الشفاه ... شرعنة الوصاية على شفاه المرأة
لا تبدأ القصة من المكياج، ولا تنتهي عند التعميم. إنّها قصة سلطة مهووسة بالطاعةالمرئية. ترى الخراب في التفاصيل الصغيرة، فتختصر أزماتها كلها بزينة إمرأة.
ليست «الحُمرا» هي المشكلة، ولا المكياج أو تبرّج المرأة. المشكلة الحقيقية تكمن في عجز السلطات عن مواجهة الخراب الحقيقي، وفي ميلها المستمر إلى مراقبة الجسد وتحويل المرأة إلى ساحة اختبار أخلاقي دائم. السلطة التي تعجز عن معالجة الفقر والبطالة وتدهور الخدمات، تتحوّل إلى ضابط لشفاه الموظفات، كأنّ الهيبة والكفاءة تقاس بلون أحمر على الوجه.
حملة «رح حط حُمرا» لم تولد من فراغ. القرار الصادر عن محافظة اللاذقية في 25 كانون الثاني، والذي يقضي بمنع الموظفات من وضع المكياج خلال الدوام الرسمي، لم يكن مجرد تنظيم إداري. بل بدا استعراضًا للسيطرة على التفاصيل الصغيرة، محاولة لتثبيت الطاعة المرئية، وجعل كل حركة للمرأة مسرحًا للضبط الأخلاقي. وهنا يظهر السؤال المركزي: أين تنتهي صلاحيات الإدارة، وأين تبدأ الحريات الشخصية، خصوصًا حين يتعلق الأمر بالنساء؟
حتى محاولة المحافظة وصف القرار كتدبير لتجنّب «المبالغة» لم تخفف من حدة الجدل. العكس تمامًا، إذ تركت التقدير مفتوحًا لمزاج المديرين وخلفياتهم الثقافية، وليس لمعايير العمل أو القانون. هكذا، أصبح المكياج مؤشرًا للقيم الأخلاقية، بينما تُترك الأزمات الكبرى بلا مساءلة: القتل على الهوية، الفقر، البطالة، الفوضى الأمنية، وانهيار الخدمات الأساسية.
تاريخيًا، لم يكن أحمر الشفاه تفصيلًا تافهًا أو زينة عابرة. منذ آلاف السنين، استُخدم رمزًا للمكانة والهوية الاجتماعية، ثم في القرن العشرين تحوّل إلى أداة تعبير سياسي ونسوي، خاصة في المجتمعات التي فضّلت ضبط الجسد على مواجهة المشاكل الحقيقية للمجتمع. في هذا الإطار، لم يعد المكياج مسألة جمال، بل لغة احتجاج وصياغة رمزية للرفض.
في حملة «رح حط حُمرا»، لم يُنظر إلى اللون فقط كقطعة تجميلية، بل كرمز لمواجهة القواعد الفضفاضة التي تحاول ربط الكفاءة بالمظهر، وللاحتجاج على منطق يفضّل السيطرة على تفاصيل الجسد على معالجة المشاكل الجوهرية. فحين تُختزل «الهيبة الوظيفية» إلى وجه المرأة، يصبح المكياج شماعة لإخفاء فشل السلطة في قراءة الواقع، وكأنّ ضبط المظهر أسهل من مواجهة الخراب الحقيقي.
ما يفضحه القرار والحملة معًا ليس مجرد منع أحمر الشفاه، بل نمط متكرّر في السلطة: التركيز على القشور والإنشغال بالأجساد، وترك الأزمات الكبرى بلا معالجة، في محاولة لتأجيل المحاسبة وتحويل الخطاب العام إلى مراقبة التفاصيل الصغيرة. هنا، الحمرة الحمراء لم تعد مجرد لون، بل سلاح رمزي يفضح النفاق المؤسسي ويصبح منصة إحتجاج اجتماعي وسياسي.
في النهاية، الحملة تكشف أنّ ما يختصر السلطة اليوم ليس الأداء الإداري أو تقديم حلول ملموسة، بل القدرة على ضبط المظهر، وتحويل كل حرية شخصية إلى مسرح أخلاقي. وهنا تتحوّل الحمرة الحمراء إلى رمز مواجهة، إلى صرخة احتجاج على سلطة عاجزة لا تعرف سوى التفتيش على الجسد، بينما تهمل الواقع بأكمله!
