ميزانية الوهم.. تأجيل الإنفجار لا منعه

ميزانية الوهم.. تأجيل الإنفجار لا منعه

  • ٣١ كانون الثاني ٢٠٢٦
  • أنطوني سعد

المشكلة ليست في الوعد بحد ذاته، بل في غياب الإجابة عن السؤال الأساسي: من أين المال؟ وكيف سيتم التنفيذ؟ لأنّ الدولة التي تزرع الأمل من دون خطة، لا تؤجل الإنفجار فحسب، بل تكبّره.

 
ما أُقرّ في مجلس النواب في اليومين الفائتين يمكن اعتباره ميزانية الحد الادنى القابل للتنفيذ، وهو بالطبع لا  يشكّل خطة إنقاذ مالي أو إقتصادي. الأرقام المطروحة تعكس واقع الدولة المنهارة، والإلتزامات الواردة فيها تستند في بعض الأبواب إلى أمنيات لا الى قدرة مالية حقيقية. إنّها ميزانية هدفها إدارة الأزمة سياسياً، لا معالجة جذور الإنهيار.

مع ذلك، لا بدّ من التمييز بين ضعف الميزانية كنّصّ مالي، وبين الوعد السياسي الذي أطلقه رئيس الحكومة تجاه العسكريين المتقاعدين وموظفي القطاع العام. التعهّد بالتوصل إلى حلّ منصف قبل نهاية شباط لا يمكن تجاهله أو التعامل معه ككلام عابر، حتى وإن لم يكن مضمّناً في بنود الموازنة نفسها.

في هذا الإطار، من المهم التوضيح أنّ نسبة الـ 50% من رواتب عام 2019 ليست بنداً واردًا في مشروع الميزانية ولا رقماً أُقرّ تشريعياً، بل مجرّد وعد سياسي. وهنا تكمن الخطيئة الكبرى: إطلاق وعود إجتماعية كبرى خارج النّصّ المالي ومن دون أي قدرة واضحة على التنفيذ.

وهنا تبرز خطورة الوعود الموجّهة للفقراء وموظفي القطاع العام. هذه الوعود ليست كلاماً في الهواء، بل تصنع أملاً يعيش الناس عليه. التجربة اللبنانية تثبت ذلك بوضوح. حين وعد الرئيس نجيب ميقاتي في عامي 2012 و2013 بتصحيح رواتب القطاع العام بعد تصحيح رواتب القضاة، لم يعد ممكناً التراجع عن هذا المسار سياسياً أو إجتماعياً. هذا الوعد تُرجم لاحقاً بإقرار سلسلة الرتب والرواتب عام 2017 من دون تأمين تمويل مستدام أو إصلاحات مرافقة، ما جعلها أحد العوامل التي ساهمت في تسريع الإنهيار المالي. من هنا، أي وعد جديد بتحسين الرواتب يصبح إلتزاماً أخلاقياً وسياسياً لا يمكن التنصّل منه، لأنّ كسر الأمل لدى الفئات الأكثر فقراً أخطر من أي عجز مالي مؤقت.

الأخطر أنّ الحكومة، بالتوازي مع هذه الوعود، قررت ترحيل المواجهة الإجتماعية إلى نهاية شباط. السؤال هنا ليس تقنياً بل سياسياً: لماذا هذا الموعد تحديداً؟ لأنّ السلطة تراهن على تطورات إقليمية كبرى، وربما على إندلاع حرب في المنطقة، تعيد خلط الأولويات وتؤجل الغضب الشعبي تحت ضغط الخوف والقلق الوجودي.

لكن هذا الرهان قصير النظر. الحرب، إن وقعت، لن تلغي الفقر، ولن تمحو الجوع، ولن تُسقط حقوق الناس. قد تؤجل الإنفجار الإجتماعي، لكنها لا تلغيه. بعد أي مواجهة، سيعود اللبنانيون إلى واقعهم الحقيقي: رواتب لا تكفي، دولة متخلّفة عن التزاماتها، ووعود لم تُترجم أفعالاً.

في الخلاصة، الميزانية سيئة وغير كافية، ووعد رئيس الحكومة موجود ولو خارج النّصّ. المشكلة ليست في الوعد بحد ذاته، بل في غياب الإجابة عن السؤال الأساسي: من أين المال؟ وكيف سيتم التنفيذ؟ لأنّ الدولة التي تزرع الأمل من دون خطة، لا تؤجل الإنفجار فحسب، بل تكبّره.