سعد الحريري.. «التوبة السياسية» لم تمنحه حتى الآن صك الغفران
سعد الحريري.. «التوبة السياسية» لم تمنحه حتى الآن صك الغفران
إن كان الحريري سيعود، فبأي ثمن، وتحت أي مظلة إقليمية. هل يختار المنفى الطوعي الذي يعيش فيه منذ أعوام؟ أم يخوض مواجهة أخيرة مع الرياض؟ أم تأتي «المكرمة» المنتظرة فتُطوى صفحة الماضي بعد طول انتظار؟
أطلّ رئيس الحكومة السابق سعد الحريري أمام حشد وُصف بالهزيل، من دون أن يحسم موقفه من المشاركة في الإنتخابات النيابية المقبلة. لم يعلن ترشحًا، ولم يعلن مقاطعة، بل اختار الهروب إلى الأمام بخطاب سياسي بدا وكأنّه محاولة لإعادة التموضع أكثر منه إعلان عودة فعلية إلى الحياة السياسية.
في كلمته، استجدى الرياض علنًا من بوابة «التوافق الخليجي»، وأشاد بالرئيس السوري أحمد الشرع، وطالب بحصر السلاح بيد الدولة، وجدّد التمسك باتفاق الطائف. رسائل متعددة الإتجاهات، لكن من دون الجرأة على إعلان قرار المشاركة. فالمعطيات تشير إلى أنّ الضوء الأخضر السعودي لم يُمنح له، ولا حتى الأصفر، بل إنّ الضوء الأحمر ما زال قائمًا، وفق قراءة أوساط سياسية متابعة.
الحريري لم يوفّر خصومه السنّة من الهجوم، خصوصًا زعماء طرابلس، في محاولة لاستعادة موقعه داخل الساحة السنية. غير أن خطابه بدا، في نظر منتقديه، كمن «فسّر الماء بعد جهد بالماء»؛ إعادة تدوير لشعارات قديمة من دون ترجمة عملية على الأرض.
التطور الأبرز جاء بعد ما أوردته قناة الحدث عن وجود اتفاقات بين أحمد الحريري وحزب الله. هذا التسريب اعتُبر رسالة سعودية واضحة بأنّ تيار المستقبل لا يزال غير مؤهل لاستعادة الثقة، على خلفية تقارباته السابقة مع العونيين والحزب، وانحيازه منذ عام ٢٠١٦ إلى محور إيران، وفق الرواية الخليجية. كل محاولات «التوبة السياسية» لم تمنحه حتى الآن صك الغفران.
هنا يقف الحريري أمام خيارين أحلاهما مرّ. إما أن يشارك في الإنتخابات رغم الموقف السعودي، متكئًا على علاقته برئيس دولة الإمارات محمد بن زايد آل نهيان، فيغامر باللعب بين الكبار، مع إدراكه أن أي تقاطع سعودي - إماراتي لاحق قد يضعه في موقع التضحية السياسية. وإما أن يواصل انكفاءه إذا لم ينل بركة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، فيمضي أربع سنوات إضافية خارج المشهد، نحو ما يشبه الغياب الطويل عن الذاكرة السياسية.
السؤال اليوم ليس فقط إن كان الحريري سيعود، بل بأي ثمن سيعود، وتحت أي مظلة إقليمية. هل يختار المنفى الطوعي الذي يعيش فيه منذ أعوام؟ أم يخوض مواجهة أخيرة مع الرياض؟ أم تأتي «المكرمة» المنتظرة فتُطوى صفحة الماضي بعد طول انتظار؟
في لحظة إقليمية دقيقة، تبدو خيارات الحريري محدودة، وحساباته أعقد من مجرد قرار انتخابي. فالمشاركة ليست تقنية، بل سياسية بامتياز، ترتبط بموازين القوى في الداخل وبالإرادة الخليجية في الخارج. فماذا سيختار؟

