الأستاذ يفتتح السباق

الأستاذ يفتتح السباق

  • ١٤ شباط ٢٠٢٦
  • جو حمّورة

في السياسة اللبنانية، قلة هم الذين يتحولون إلى جزء من الأثاث الدستوري. لقد تعاقبت أجيال وهُزمت مشاريع، لكن «الأستاذ» بقي في الصورة، بصفة الشاهد، والمقرر أحياناً، والوسيط غالباً، والرقم الصعب دائماً.

حين يترشح نبيه بري أولاً، لا يفعل ذلك على طريقة المستجلين، بل على طريقة من يعرف أنّ السباق يبدأ حيث يتحرك هو. لا يركض إلى الإستحقاق، بل يفتحه. كأنّ باب أيار الإنتخابي لا يُشرّع إلا بمفتاحه، فيما صندوق الإقتراع يحتاج إلى توقيعه المعنوي قبل أن يستقبل أسماء الآخرين.

أن يكون أول المترشحين، فهذا ليس تفصيلاً إجرائياً، بل مشهد مكتمل الدلالة. الرجل الذي أمضى عقوداً في رئاسة مجلس النواب، يقارب الإنتخابات كما يقارب جلسة تشريعية: بهدوء، بثقة، بأريحية، وبإدراك أنّ موقعه ليس مقعداً فحسب، بل معادلة قائمة بذاتها.

يدخل بري الإستحقاق كمن يدخل إلى بيته. يعرف الزوايا، يحفظ الممرات، ويتقن فن إدارة الوقت بين الخصوم والحلفاء. وترشحه المبكر للإنتخابات النيابية ليس مجرد خطوة شخصية، بل إشارة سياسية واضحة بأنّ الإنتخابات ستجري في موعدها في أيار.

في بلد اعتاد الشك والتأجيل والتمديد، يأتي إعلان «الأستاذ» كأنّه تثبيت للروزنامة الوطنية. حين يضع إسمه أولاً، فهو يضع الإستحقاق نفسه على السكة، كمن يقول إنّ الساعة الدستورية تدور، وإنّ أيار ليس احتمالاً بل موعداً.

في السياسة اللبنانية، قلة هم الذين يتحولون إلى جزء من الأثاث الدستوري. حتى «حركة أمل» تغيّرت مع الزمن، وتبدلت التحالفات من حولها، وتعاقبت أجيال وهُزمت مشاريع، لكن «الأستاذ» بقي في الصورة، لا بصفة الشاهد فقط، بل بصفة المقرر أحياناً، والوسيط غالباً، والرقم الصعب دائماً.

هو رجل المنظومة الأساسي. هو حجر زاويتها وركنها ومدماكها. في زمن تتبدّل فيه الأدوار وتذوب فيه الحدود بين الفوضى والنظام، بقي هو المنظِّم. كل شيء يتغيّر، إلا هو. هو من يضبط الإيقاع حين يختل، ومن يرتب النصاب حين يتبعثر، ومن يعرف كيف تُدار الجلسات كما يعرف كيف تُدار التسويات.

في سباق السياسة اللبنانية، يبدو بري أحياناً كمن ينظم المضمار، ويختار لحظة الإنطلاق، ثم يركض في الوقت نفسه. هو منظّم السباق، والخيّال، والفرس الفائز. صورة تختصر مفارقة رجل يجلس في قلب اللعبة ويُمسك بخيوطها ولا يكترث لأي نقد.

لكن، في المقابل، ثمة سؤال مشروع لا يمكن القفز فوقه. هل تحولت الإستمرارية إلى قدر لا يُكسر؟ وهل باتت الخبرة الطويلة سيفاً ذا حدين: تحفظ التوازن والمنظومة من جهة، وتؤجل التداول الطبيعي للسلطة من جهة أخرى؟ أجل، بري لا يُزاح، أحببنا ذلك أم كرهناه. كلنا نعرف أنّه سيء غالباً، لكن وجوده مستدام، ولن يفرقه شيء عن الكرسي سوى الأجل.

خصومه يرون في هذا المشهد دليلاً على عجز النظام عن إنتاج بدائل، وعلى أنّ اللعبة محكومة بأسماء تتقدم دائماً إلى خط البداية، فيما أنصاره يرون فيه ضمانة الإستقرار وسط فوضى الإقليم وانقسام الداخل. بين الرأيين، يقف «الأستاذ» كعادته: لا يردّ مباشرة، ولا يكترث حقيقة، بل يقول للجميع إنّ السباق انطلق، هاتوا لنتنازل في الميدان ولنرى من الأقوى.

هكذا، في أيار، لا يبدو أنّه سيخوض معركة فحسب، بل سيجدّد عقداً غير مكتوب بينه وبين زمن لبنانيّ طويل. زمن تبدل فيه كل شيء تقريباً، إلا «الأستاذ».