بالفيديو: وراء المقعد الخلفي .. يبدأ الإعتداء
بالفيديو: وراء المقعد الخلفي .. يبدأ الإعتداء
حين يتدخّل الركاب، تتحوّل الحافلة من مساحة خوف إلى مساحة تضامن. حين يدرك المتحرّش أنّ فعله سيُواجَه فوراً،تتراجع جرأته.
عشر دقائق فقط كانت كافية ليتحوّل مقعد في «فان» للنقل العام إلى مساحة تهديد. شابة كانت في طريقها كأي يوم عادي، قبل أن يبدأ أحد الركاب بسلوكيات مزعجة ومقصودة. أمامها خياران: أن تطلب من السائق تغيير مكانها بصمت، أو أن توثّق وتفضح. اختارت الخيار الأصعب، رفعت هاتفها، وصوّرت. لم يكن القرار سهلاً، لكنه كان محاولة لكسر حلقة الصمت.
هذا ما روته الصحافية فتاة عياد في حديث خاص لبيروت تايم
قالت «كان الفان ماشي طبيعي، بعد حوالي ١٠دقايق بلّش هيد السلوك يُرتكب»
هذه الحادثة ليست إستثناء. في لبنان، يكاد التحرّش في وسائل النقل العام يصبح تجربة يومية لكثير من النساء، سواء في سيارات الأجرة أو الباصات. تتنوّع الأشكال بين كلام «ثقيل الدم»، نظرات ملاحِقة، اقتراب جسدي متعمّد، أو حتى ملامسة بحجّة الإزدحام. الأخطر أنّ بعض هذه السلوكيات تكشف نمطاً متكرراً، لا «نزوة عابرة». كثيرات يؤكدن أنّ المتحرّش في النقل العام غالباً ما يكون معتاداً على الفعل، يختار ضحاياه بعناية، ويراهن على صمت المكان.
ولفتت عياد أنّ الأخطر هو تكرار النمط، إذ غالباً المتحرشين بوسائل النقل العامة تحديداً هنّي متحرشين متسلسلين.
«مش قصة إنو فجأة خطر ببالو وارتكب الجرم. في ناس بتنطر الفرصة». وأكدت أنّ المتحرش الذي فضحته كان له تاريخاً في التحرش على أبواب بعض المدارس.
حين يصبح الصمت شريكاً
هذا لا يختلف عن حادثة انتشرت في مصر وخلقت موجة غضب واسعة، يتكرر المشهد ذاته: فتاة تطلب المساعدة داخل باص مكتظ، ولا أحد يكترث. في لبنان أيضاً، يخيّم أحياناً صمت ثقيل على بعض الحافلات، كأنّ ما يحدث «أمر عادي» لا يستحق التدخل. هذا الصمت لا يقل خطورة عن الفعل نفسه، لأنّه يمنح المتحرش شعوراً بالإفلات من العقاب.
أحد سائقي الباصات يروي لبيروت تايم أنّ فتيات كثيرات يطلبن الإنتقال إلى المقعد الأمامي هرباً من راكب يتعمّد الجلوس بقربهن والالتصاق بهن مع كل منعطف. يقول إنّ المرآة لا تكشف كل شيء، خصوصاً في الحافلات المكتظة، وإنّ التدخل غالباً لا يحدث إلا عندما تشتكي الفتاة صراحة.
سائق آخر يروي أنّه أوقف الباص فور ارتفاع الأصوات بعد أن اشتبه الركاب بتصرّفات شاب كان يضايق فتاة، مؤكداً أنّ مسؤوليته لا تقتصر على القيادة، بل على حماية الركاب أيضاً.
بين القانون والتطبيق
عام 2020 أُقرّ القانون رقم 205 الذي يجرّم التحرّش الجنسي في لبنان. على الورق، يشكّل خطوة متقدمة. لكن السؤال الذي يتكرر: إلى أي مدى يمكن للنساء اللجوء إليه بسهولة؟ آليات التبليغ ليست دائماً واضحة أو متاحة، وبعض الشكاوى تُواجَه بالتقليل من خطورتها، خصوصاً إذا اقتصر التحرش على الكلام أو الرسائل.
تجارب كثيرة تظهر فجوة بين النّصّ والتطبيق.
شابة عشرينية اشترت سيارة لتتفادى المضايقات اليومية في طريقها إلى العمل. لم يكن القرار ترفاً، بل هروباً من واقع مرهق. وأخرى تحدثت عن سائق بدأ برسائل«تودد» عبر الهاتف، ثم تطورت إلى عبارات غير لائقة داخل السيارة، وعندما حاولت التبليغ، قيل لها إنّ الأمر لا يُعد تحرشاً ما لم يتجاوز «الكلام». هذه الثغرات تضع الضحية أمام معركة إضافية لإثبات ما تعرّضت له.
الأرقام تكشف
في دراسة أُجريت عام 2022 من قبل هيئة الأمم المتحدة للمرأة بالتعاون مع منظمة كفى، شملت 540 امرأة في طرابلس، أفادت 68 في المئة منهن بتعرّضهن لشكل أو أكثر من أشكال التحرّش أثناء ركوب سيارات الأجرة. هذه النسبة تعكس إتساع الظاهرة، وتؤكد أنّ المشكلة ليست فردية بل بنيوية.
التحرّش في وسائل النقل ليس معزولاً عن السياق الإجتماعي العام. هو نتاج ثقافة تلوم الضحية أحياناً، وتبحث عن مبررات لسلوك المعتدي: ماذا كانت ترتدي؟ لماذا جلست هناك؟ لماذا لم تنزل؟ أسئلة تُطرح على المرأة بدل مساءلة الفاعل.
مبادرات… ولكن
شهدت بعض المناطق خطوات إيجابية: كاميرات مراقبة في بعض باصات النقل المشترك، ملصقات إرشادية للتبليغ في سيارات أجرة تابعة لمواقف خاضعة لرقابة نقابية، وتدريبات توعوية لسائقين حول كيفية التعامل مع حالات التحرّش. سائقون كثر يشدّدون على أنّ من يتحرش يسيء للقطاع بأكمله، وأنّ الركاب يجب أن يلجأوا إلى المواقف الرسمية الخاضعة لرقابة النقابة.
لكن هذه المبادرات تبقى غير معمّمة. في باصات خاصة كثيرة، لا كاميرات ولا إرشادات واضحة. الإزدحام يوفر غطاء مثالياً للمتحرّش، وصعوبة إثبات التحرّش اللفظي أو«اللمسات الخاطفة» تجعل المواجهة أكثر تعقيداً.
ما وراء الظاهرة
يربط بعض علماء الإجتماع إنتشار التحرّش في المجتمعات التقليدية بثقافة الكبت وغياب التربية الجنسية السليمة والإختلاط الطبيعي بين الجنسين. حين يُربّى الشاب على اعتبار المرأة «جسداً
… لا شريكاً مساوياً في الفضاء العام، يصبح وجودها في الحافلة» أو الشارع مساحة مباحة لاختبار حدود السيطرة. هكذا يتحوّل الفضاء المشترك إلى ساحة غير آمنة، وتصبح المرأة مطالَبة دوماً بإدارة المخاطر بدل أن تُمنح حق الأمان الطبيعي.
توضح أستاذة علم الإجتماع في الجامعة اللبنانية روعة فتفت أنّ التحرّش لا يمكن فصله عن بنية إجتماعية تُراكم الكبت وتُحاط فيها العلاقات بين الجنسين بجدران من المحظورات. وترى أنّ «تفجير المكبوت»، في أماكن عامة مزدحمة، حيث يصعب التوثيق ويكثر الصمت، يمنح البعض شعوراً زائفاً بالقوة. لكنها تحذّر في الوقت نفسه من التعميم، مؤكدة أنّ في قطاع النقل سائقين «في قمة الإحترام»، وأن الخلل سلوكي وثقافي قبل أن يكون مهنياً.
وتلفت فتفت إلى أثر التربية المبكرة، مشيرة إلى أنّ الفصل التام بين الجنسين في بعض البيئات قد يعزّز صورة «الآخر» كغريب مثير للفضول أو كتهديد، بدل أن يكون وجوده طبيعياً. حين يعتاد الطفل الإختلاط القائم على الإحترام المتبادل، تتراجع النزعة إلى تحويل الإختلاف إلى مساحة تعدٍّ. وتضيف أنّ معالجة الظاهرة لا تكون فقط بالعقاب، بل ببناء ثقافة ترفضها جذرياً، من المدرسة إلى البيت إلى الإعلام.
غير أنّ المقاربة الثقافية لا تُغني عن الإجراءات العملية. فتعزيز آليات التبليغ، وتعميم الكاميرات في وسائل النقل العام، وتدريب السائقين على رصد السلوكيات المريبة والتدخل الفوري، كلها خطوات قادرة على تضييق المساحة أمام المتحرش. كذلك، فإنّ وضوح الإجراءات القانونية وسرعتها يمنح الضحايا ثقة أكبر في اللجوء إلى القضاء بدل الاكتفاء بالتحذير أو الصمت.
يبقى العامل الحاسم هو الموقف الجماعي. حين يرفض الركاب الصمت، ويتدخلون عند الضرورة، تتحوّل الحافلة من مساحة خوف إلى مساحة تضامن. وحين يدرك المتحرّش أنّ فعله سيُواجَه فوراً، تتراجع جرأته. فالإفلات من العقاب لا يتغذّى فقط من غياب القانون، بل من غياب رد الفعل.
التحرّش في باصات لبنان ليس قدراً. هو سلوك يمكن ردعه.
والأمان في وسائل النقل ليس امتيازاً تمنحه الظروف، بل حقّ أساسي. والنقل العام يجب أن يبقى وسيلة عبور نحو العمل والدراسة والحياة، لا اختباراً يومياً لتحمّل الخوف.

