حزب المنتصف.. ماذا يريد «التيار الوطني الحر» فعلاً؟

حزب المنتصف.. ماذا يريد «التيار الوطني الحر» فعلاً؟

  • ٢٣ شباط ٢٠٢٦
  • جو حمّورة

«التيار» بقي يتغذى من الهواجس من دون أن يتبناها، ويستثمر في الخوف من دون أن يحوّله إلى برنامج، ويتحدث عن الدولة من دون أن يحدّد شكلها. لا حماية واضحة، ولا تغيير واضح. لا محافظة راديكالية شجاعة، ولا ثورة جذرية...

ليس السؤال افتراضياً ولا كيدياً، بل هو خلاصة عقد ونصف من الإلتباس السياسي: ماذا يريد «التيار الوطني الحر»؟ لا ماذا يقول في لحظة انفعال، ولا ماذا يكتب في ورقة إصلاحية تُنسى بعد أسبوع، بل ماذا يريد فعلاً، في الجوهر، في تلك المنطقة التي لا تُكتب في البيانات ولا تُقال على المنابر، لكنها تحكم السلوك والتحالف والقطيعة.

في بلادنا، الأحزاب تُعرَف عادة بغائيتها النهائية قبل أي شيء آخر. قد نرفضها، نخاصمها، نلعن نتائجها، لكننا نعرف ماذا تريد. «حزب الله»  يريد سلاحه ودوره الإقليمي، وفي النهاية، حكومة إسلامية في لبنان، وهذه هي عقيدته السياسية الفعلية مهما تغيّرت اللغة. «القوات اللبنانية» تريد تثبيت تمثيل مسيحي صدامي مع هذا السلاح ضمن منطق الدولة، وفي النهاية، الحفاظ على الوجود المسيحي الحر في لبنان. الحزب «السوري القومي الاجتماعي» يريد تجاوز الكيان اللبناني نفسه وإقامة سوريا الكبرى. الحزب الشيوعي اللبناني، حتى في ضعفه، لا يزال يعرف أنّه يريد إسقاط النظام الطائفي وبناء دولة طبقية، حتى لو بدا اليوم شبحاً من زمن آخر. الغايات واضحة، حتى لو كانت بعيدة أو دموية أو خيالية.

وحده «التيار الوطني الحر» يبدو حزباً بلا غاية نهائية مُعلنة أو مُضمَرة. حزب لا يعرف اللبنانيون، ولا حتى كثير من أنصاره، ما الذي يسعى إليه في نهاية الطريق. هل هو حزب مسيحي؟ إذا كان كذلك، لماذا يتهرّب من تسمية الأشياء بأسمائها حين يتعلّق الأمر بالهواجس المسيحية العميقة؟ هل هو حزب علماني تغييري؟ إذا كان كذلك، لماذا لم يخض يوماً معركة فعلية ضد النظام الطائفي بدل استخدامه والتكيّف معه؟ هل هو حليف لـ«حزب الله»؟ أم مجرّد متعايش معه؟ أم رهينة توازنات معه لا يريد كسرها بشكل نهائي؟

حالياً، يقول «التيار» أنّه ضد السلاح خارج الدولة، لكنه لم يجعل من هذه القضية خطاً فاصلاً. عند البحث عن طرف معادٍ لسلاح «حزب الله»، لا ينظر أحد إلى «التيار»، بل إلى أخصامه. وعند البحث، اليوم، عن طرف مرتهن بشكل كامل للحزب، لا يُسمى «التيار» بشكل أساسي، بل غيره من الأحزاب كـ «المردة» و«القومي السوري» وشخصيات متناثرة في المناطق هنا وهناك.

يقول «التيار» إنّه مع الدولة، لكنه تحالف مع من يعطّلها. يقول إنّه يريد إصلاح النظام، لكنه لم يقدّم يوماً تصوراً متكاملاً للنظام البديل. هل يؤيد الفدرالية، أم العلمانية، أم الطائف؟ لا أحد يعرف بشكل حاسم. فكل شيء عنده مشروط، مؤجّل، قابل لإعادة التفسير. السياسة عنده ليست موقفاً، بل إدارة رمادية للتناقضات ووقوف في منتصف الطريق.

الأخطر من ذلك أنّ «التيار» لم يحسم يوماً موقعه من السؤال المسيحي نفسه. لم يقل صراحة إنّه حزب يدافع عن التمايز المسيحي في دولة طائفية، ولا قال إنّه حزب يريد تجاوز هذا التمايز نحو علمانية كاملة. بقي يتغذى من الهواجس من دون أن يتبناها، ويستثمر في الخوف من دون أن يحوّله إلى برنامج، ويتحدث عن الدولة من دون أن يحدّد شكلها. لا حماية واضحة، ولا تغيير واضح. لا محافظة راديكالية شجاعة، ولا ثورة جذرية...

هذا الغموض البنيوي هو ما يفسر، إلى حد كبير، نزيف «التيار» البشري والسياسي. فـ«التيار» خسر، تدريجياً، قاعدته الطبيعية في الطبقة الوسطى المسيحية في جبل لبنان، تلك التي صوّتت له بوصفه وعداً بالدولة والمؤسسات والخروج من منطق الزبائنية. هؤلاء لم ينشقوا، لم يؤسّسوا أحزاباً جديدة، لم يصرخوا. انسحبوا بصمت، لأنّهم لم يعودوا يعرفون ماذا يمثل أو ماذا يريد.

في المقابل، احتفظ التيار بقواعده في الأطراف، وفي البيئات المتحدرة من تجربة عسكرية أو صدامية، حيث الولاء شخصي والذاكرة أقوى من البرنامج، والزعيم أهم من الفكرة. هناك، لا يُسأل الحزب ماذا يريد، بل ضد من هو.

حتى الخلافات والانشقاقات للقادة التي حصلت داخل صفوفه لا يمكن قراءتها بوصفها صراع أفكار أو عقائد. فالقادة الذين اختلفوا معه وغادروه أو همَشوا أنفسهم، مثل إبراهيم كنعان، سيمون أبي رميا، آلان عون، إلياس بو صعب، وزياد أسود، لم يختلفوا مع «التيار» على قضية كبرى، ولا على عقيدة سياسية، ولا على رؤية مستقبلية للبنان. اختلفوا على الحصص، على المواقع، على الأدوار، على النفوذ داخل التنظيم والدولة.

وهذا بحد ذاته إدانة سياسية قاسية. فالأحزاب التي تمتلك قضية واضحة، تنشقّ الناس عنها حول الأفكار. أما الأحزاب التي لا تمتلك قضية، فتنقسم حول المصالح. غياب القضية الواضحة جعل كل خلاف داخلي يبدو تقنياً أو شخصياً، لأنّ لا أحد يستطيع الإدعاء بأنّه يدافع عن مشروع فكري مُحدّد داخل «التيارالوطني الحرّ».

ولا يمكن فصل كل ذلك عن العامل العاطفي المؤسِّس. «التيار» وُلد، سياسياً، من حبّ واسع لميشال عون، حبّ اختلط فيه الشعور بالكرامة المستعادة مع سردية المظلومية والتمرّد على النظام والسطوة السورية على لبنان. هذا الحبّ تحوّل لاحقاً، جزئياً، إلى ولاء لجبران باسيل، لا لأنّه قدم مشروعاً سياسياً جامعاً، بل لأنّه ورث الموقع واللغة وشعار التحدي. لكن الأحزاب لا تعيش طويلاً على الحبّ وحده. الذاكرة لا تكفي لبناء مستقبل.

ومع اقتراب موعد انتخابات نيابية جديدة، سواء حصلت في موعدها أو أُجِّلت بضعة أشهر، يعود السؤال نفسه بإلحاح أكبر: ماذا يريد «التيار الوطني الحر» فعلاً؟ أن يكون حزب سلطة بلا مشروع؟ حزب احتجاج بلا قطيعة؟ حزب مسيحي يخجل من إعلان ذلك؟ أم حزباً علمانياً يخشى دفع ثمن ذلك؟ حزب يقول أنّه ضد منطق السلاح بشكل كامل أم حزب يبتز حزب السلاح ويقف في موقع الوسط طمعاً بتحالف انتخابي مريح؟

في السياسة، الغموض قد يكون تكتيكاً مؤقتاً، لكنه لا يصلح هوية دائمة. والأحزاب التي لا تعرف ماذا تريد، فلا تُسقط النظام ولا تحميه، ولا تغيّر الدولة ولا تصونها، تستهلك الوقت والناس والفرص. «التيار الوطني الحر» اليوم أمام لحظة تعريف وجودي: إما أن يقول بوضوح ماذا يريد لبنانياً ومسيحياً ودولتياً، وإما أن يبقى حزباً يتراجع دوماً، فيما يُسأل عنه دائماً: مع من هو؟ وضد من؟ ولا يسأل أحد عن ماذا يريد وما هي قضيته.