٧ أيام مع «ترامب Show»
٧ أيام مع «ترامب Show»
لا تعرف من كل أحاديث ترامب ما هدفه الحقيقي. هل هدفه إسقاط النظام؟ أم إسقاط الحكم الإيراني؟ أم السيطرة على مضيق هرمز؟ أم القضاء على القوة الصاروخية الإيرانية؟ أم السيطرة على المواد المخصّبة؟
ليس مجرد أسبوع عابر أن تتحول سبعة أيام من خطابات دونالد ترامب الكثيرة تجاه إيران، إلى لوحة من التناقضات الغريبة والفوضى النفسية. الرجل مميّز دون شك، ويختلط في حديثه الكثير من التهديد الذي تليه ابتسامة، والكثير من الوعيد المخلوط بالمدح، كما بعض الغضب المجبول بالمزاح. لكن، في كل خطبه ثابتة واحدة، وهي أن يقوم ترامب بمدح نفسه.
ليست المسألة في الكلمات بحد ذاتها، بل في الطريقة التي تكشف بها شخصيته، ذلك المنحدر الداخلي من الكبرياء، الانفعال، والغطرسة، الذي يجعل من مفاوضاته مع إيران أشبه بمسرحية هزلية طويلة، والخصم فيها ليس إيران فحسب، بل السياسة نفسها، والمنطق، والتاريخ.
خلال عشرة أيام، شاهد العالم تحولات يومية مثيرة للدهشة. في إحدى هذه الأيام، على متن طائرة الرئيس، يعلن ترامب أنّ «النظام الإيراني القديم قد دُمّر، الجميع مات... والصف الثاني من القادة ماتوا، أما الثالث فبعضهم مات وهم مختلفون، وبصراحة، يُعجبني هذا الأمر، وهم كانوا معقولين جداً في المفاوضات»، كأنّ خصمه مجرد أشباح تتفاوض مع أشباح أخرى، وكل هذا يمثل محاولة لتأكيد هيمنته الشخصية على العالم. وفي اليوم التالي، عبر منصاته الإجتماعية، لا يتردد في تهديد كامل: «سننهي إقامتنا الرائعة في إيران بتفجير كل محطات الكهرباء وآبار النفط وربما كل محطات تحلية المياه»، ليعود بعد قليل بتصريح متردد: «ربما نأخذ جزيرة خارك، وربما لا. لدينا الكثير من الخيارات.»
حتى المضيق، مضيق هرمز، لم يسلم من المسرحية اليومية. يقول بفخر: «أعطونا هدية وهي عبارة عن مرور ١٠ ناقلات... الآن يعطون ٢٠... وهذه الـ٢٠ تسير مباشرة في الوسط... ويمكننا إغلاق المضيق في دقيقتين». يبدأ التعبير بالتعاون وينتهي بالتهديد العسكري، لكنه، في الحقيقة، عرض «ترامبي» للقوة وانعكاس لنزواته النفسية على العالم. وفي تصريح آخر، يعترف بكل صراحة: «عندما تتفاوض مع إيران، دائماً تضطر بعد ذلك لتفجيرهم». كل كلمة، كل تهديد، كل وعد، ليس خطة سياسية، بل انعكاس لشخصية الرجل، لمسرحه الداخلي، لرغبته في أن يراه العالم كرئيس قاهر، قادر على محو أي شيء في لحظة.
التكرار هنا أسلوبه: الإعلان عن عقوبات قصوى ثم التراجع، المدح والتهكم، التهديد ثم التباهي، كل تصريح يمزج الكبرياء بالعبث، القوة بالخوف، والسيطرة بالارتباك.«هم سيعطوننا المواد المخصّبة... وسيستسلمون ويسلّمونا أسلحتهم النووية». يقولها وكأنّ العالم كله مجرد ديكور، وكل هذه التهديدات جزء من مسرحية نفسية مستمرة.
لا تعرف من كل أحاديث ترامب ما هدفه الحقيقي أو حتى إن كان يعرف ماذا يجري في الشرق الأوسط. هل هدفه إسقاط النظام؟ أم إسقاط الحكم الإيراني؟ أم السيطرة على مضيق هرمز؟ أم القضاء على القوة الصاروخية الإيرانية؟ أم السيطرة على المواد المخصّبة؟ أو ربما كل كلامه مجرد خدعة بصرية ذكية تحضيراً لهجوم بري مباغت على إيران؟
وفي مقابل هذا العبث، يظهر فارق إدراكي واضح مع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، الذي يفهم المنطقة ويعرف ماذا يريد. الخرائط واضحة في ذهنه، التاريخ يقرأه بدقة، كل خطوة لها حساباتها، وكل تهديد له هدفه. بينما ترامب يُعيد اختراع الفوضى والتناقض كل صباح، يجعل السياسة عرضاً، ويحوّل إيران إلى شخصية ثانوية في مسرحه النفسي، صورة للتهديد، للسيطرة، وللنزوة اللحظية.
وفي نهاية السبعة أيام، يبقى المشهد مسرحياً بامتياز: تصريحات متضاربة، تهديدات مستمرة، كلام طويل عن السلاح النووي وتسليمه. كل ذلك في خدمة صورة واحدة، صورة الرجل القادر على كل شيء، صورة تتقاذفها الفوضى الداخلية أكثر من قواعد السياسة. إيران ليست خصماً بقدر ما هي فرصة لترامب ليضاعف غروره، كبريائه، وهلعه من مواجهة الواقع، بينما العالم كله يتابع، مذهول، كيف يتحول الكلام إلى مسرح، والمسرح إلى سياسة. لا حاجة لأحد لمحلل سياسي أو استراتيجي لفهم ترامب، بل إلى محلل نفسي.
ترامب كثير الكلام، قليل المنطق، أسبوعه يمر، لكنه لا يفاوض إيران بشكل جدي، ولا يحاربها بشكل كامل. إنّما هو يفاوض نفسه أمام الجمهور ويحارب العالم ليكون البطل بعيونهم، بينما نتنياهو، على الجانب الآخر، يقرأ المنطقة كما تُقرأ كتابات التاريخ والمواثيق القديمة، يعرف ماذا يريد، ويحوّل الحرب إلى أداة لتحقيق أهداف حقيقية، لا مجرد Show لمسرح رجل يعشق نفسه، الهزل، والكلام الكثير.

