لماذا لا يتأهل لبنان إلى كأس العالم؟

لماذا لا يتأهل لبنان إلى كأس العالم؟

  • ٠٥ تموز ٢٠٢٦
  • جو حمّورة

قد لا يتأهل لبنان إلى مونديال ٢٠٣٠، أو حتى إلى ٢٠٣٤ أيضاً. لكن الأخطر من الغياب هو الاعتياد عليه. أن يصبح وجود لبنان خارج النشاطات العالمية أمراً طبيعياً.

لبنان ليس بعيداً عن كأس العالم جغرافياً فقط، بل بعيد عنه بالذهنية والإدارة والثقافة. واليوم، بعدما أصبحت البطولة تضم ٤٨ منتخباً، أي ما يقارب ربع دول العالم، لا يزال لبنان خارج المشهد. لا يظهر إلا أمام شاشات المقاهي، حيث ينقسم اللبنانيون كل أربع سنوات بين البرازيل والأرجنتين وألمانيا وفرنسا، لكأنّهم أبناء تلك البلدان، فيما يبقى منتخبهم الوطني مجرد حضور باهت لا يوقظ الحماسة إلا في مناسبات نادرة.

المفارقة أنّ دولاً أصغر من لبنان مساحة، وأقل منه سكاناً، وأضعف اقتصاداً، وأكثر هشاشة في بنيتها، استطاعت أن تجعل من كأس العالم محطة مألوفة أو هدفاً قريب المنال. من كاب-فيردي، بنما، وكوراساو، إلى منتخبات جزر ودول لا يتجاوز عدد سكان بعضها بضعة مئات الآلاف، تبدو المشاركة في المنافسة العالمية عندها مشروعاً وطنياً، لا حلماً رومانسياً.

أما في لبنان، فما زلنا نتعامل مع كرة القدم وبقية الرياضات كما نتعامل مع معظم شؤون الدولة: حماسة شعبية هائلة، يقابلها تخطيط ضئيل، وإدارة موسمية، وخلافات لا تنتهي.

ليست المشكلة أنّ اللبناني لا يحب كرة القدم. على العكس، نحن نحوّل شوارعنا إلى ساحات للحماس، والمقاهي إلى مدرجات، فتشتعل النقاشات بين عشاق المنتخبات العالمية، حتى يخال المرء أنّ نهائي كأس العالم يُقام في الدكوانة أو باب التبانة. لكن السؤال الذي لا يُطرح بما يكفي هو: لماذا لا يحمل اللبناني علم بلده في هذا العرس الكروي؟

الجواب ليس واحداً.هناك فساد، نعم. لكنه ليس التفسير الوحيد، وربما ليس الأخطر.هناك اتحادات رياضية تُدار غالباً بمنطق التوازنات أكثر مما تُدار بمنطق الإنجاز. وهناك أندية تعيش على الأزمات المالية، ودوري لا يستطيع أن يتحول إلى صناعة حقيقية، ولا إلى منصة لتطوير المواهب. اللاعب اللبناني يملك موهبة، لكنه نادراً ما يجد البيئة التي تسمح لهذه الموهبة بأن تنمو حتى الاحتراف الحقيقي.

ثم هناك ثقافة رياضية تعاني مما تعانيه السياسة اللبنانية نفسها. نحن نحب النتائج أكثر من المشاريع. نريد الوصول قبل أن نبني الطريق. نطالب بالتأهل إلى كأس العالم، لكننا لا نسأل كيف نصنع لاعباً عمره ١٢ عاماً يمكن أن يصبح بعد١٠  سنوات لاعباً دولياً. نطالب بالإنجاز، لكننا لا نستثمر بالصبر.

الأردن، مصر، البوسنة والهرسك لم تصل إلى ما وصلت إليه بالصدفة. ولم تستيقظ دول صغيرة لتجد نفسها تنافس الكبار فجأة. وراء كل منتخب ناجح سنوات من العمل على الفئات العمرية، والبنية التحتية، والاحتراف الإداري، والانفتاح على المدارس التدريبية الحديثة.

في لبنان، ما زلنا نؤمن بالمعجزات أكثر من النتائج الطبيعية للأسباب الطبيعية. فحتى السياسة، التي تتدخل في كل شيء، لا تستطيع أن تبرر هذا الغياب المزمن. صحيح أنّ الانقسامات الطائفية والمحاصصة تنعكس على معظم المؤسسات، لكن دولاً عاشت حروباً أهلية، وأزمات اقتصادية، واضطرابات أمنية، استطاعت رغم ذلك أن تجعل من كرة القدم مساحة للوحدة الوطنية لا امتداداً للانقسام.

لكن المونديال ليس بطولة للأغنياء فقط. لو كان كذلك لما شاهدنا منتخبات من إفريقيا، والكاريبي، وآسيا الوسطى تنافس جدياً. إنّه بطولة للدول التي قررت أن تعتبر كرة القدم والرياضة استثماراً في الإنسان، لا مجرد مباراة يوم الأحد.

كل الدول التي وصلت إلى هناك كانت، في يوم من الأيام، خارج المشهد. الفارق الوحيد أنّها بدأت. أما نحن، فما زلنا نناقش من المسؤول، ومن يملك الاتحاد، ومن يمول النادي، ومن يفوز بالانتخابات، بينما العالم يناقش أساليب اللعب، وأكاديميات الناشئين، والإحصاءات الرياضية، والاستثمار في المواهب.

قد لا يتأهل لبنان إلى مونديال ٢٠٣٠، أو حتى إلى ٢٠٣٤ أيضاً. لكن الأخطر من الغياب هو الاعتياد عليه. أن يصبح وجود لبنان خارج النشاطات العالمية أمراً طبيعياً.

ليس المطلوب أن ننافس البرازيل أو فرنسا أو مراوغات ليونيل ميسي ومحمد صلاح، بل أن نعمل شيئاً لنستعيد حق اللبنانيين في أن يحلموا يوماً بأن يرفعوا علم بلادهم في أكبر مسرح كروي في العالم، لا أن يكتفوا كل أربع سنوات باستعارة أحلام الآخرين.