العراق يغيّر معسكره

العراق يغيّر معسكره

  • ١٨ تموز ٢٠٢٦
  • أنطوني سعد

العراق قد يكون دخل مرحلة جديدة في تاريخه السياسي، لا تقوم على الموازنة بين واشنطن وطهران كما فعل طوال السنوات الماضية، بل على الانحياز التدريجي إلى الولايات المتحدة.

في ١٥ تموز ٢٠٢٦ حدث أمر كان حتى وقت قريب يبدو مستحيلاً. فالعراق، الذي اعتُبر طوال السنوات الماضية إحدى أهم ساحات النفوذ الإيراني في المنطقة، اتخذ خطوة غير مسبوقة بفرض عقوبات مصرفية على سليمان فرنجية ومحمود قماطي، في قرار حمل أبعاداً سياسية تتجاوز الإطار المالي، واعتبره كثيرون إعلاناً عملياً عن بدء انتقال بغداد من المعسكر الإيراني إلى المعسكر الأميركي.

فالخطوة لم تكن مجرد إجراء إداري، بل رسالة سياسية مباشرة بأنّ بغداد لم تعد مستعدة للبقاء ضمن المحور الذي تقوده طهران. فاستهداف شخصيات مرتبطة بحزب الله كشف أنّ الحكومة العراقية بدأت إعادة رسم سياستها الخارجية، في تحول لم يكن أحد يتوقع أن يصدر من دولة كانت حتى الأمس القريب إحدى ركائز النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط.

وجاءت هذه العقوبات بعد يوم واحد فقط من زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزايدي إلى واشنطن ولقائه الرئيس الأميركي دونالد ترامب. ولم يكن اللقاء مجرد اجتماع بروتوكولي، بل حمل، بحسب أوساط سياسية، تفاهمات حول مستقبل العلاقة بين البلدين، وتعزيز التعاون الأمني والاقتصادي، إضافة إلى اتخاذ خطوات عملية للحد من نفوذ إيران وحلفائها داخل العراق.

لكن أكثر ما أثار الجدل خلال الزيارة لم يكن مضمون اللقاءات، بل الصورة التي ظهر فيها الزايدي مرتدياً ساعة تقدر قيمتها بنحو ثلاثة ملايين دولار، ليصبح أول مسؤول في دولة تعاني من أزمة اقتصادية خانقة يظهر أمام العالم بساعة بهذا الثمن. ففي وقت يعيش فيه ملايين العراقيين تحت وطأة البطالة وضعف الخدمات الأساسية، بدت تلك الساعة رمزاً للفجوة الهائلة بين الطبقة السياسية والشعب، وأعادت فتح النقاش حول ثروات المسؤولين ومصادرها.

وبحسب مصدر استخباراتي غربي، فإنّ التحول العراقي لم يكن نتيجة تبدل في القناعات السياسية فقط، بل جاء بعد تحذير أميركي مباشر لبغداد بأنّ واشنطن تمتلك ملفات فساد تطال عدداً كبيراً من المسؤولين العراقيين، وأنّها ستبدأ بنشرها تباعاً، بالتزامن مع فرض عقوبات عليهم، وحجز أموالهم وممتلكاتهم في الخارج، إذا لم تبدأ الحكومة العراقية باتخاذ خطوات واضحة للابتعاد عن إيران وتقليص نفوذ حلفائها. ويؤكد المصدر أنّ الرسالة الأميركية كانت حاسمة، وأنّ الزايدي اختار تغيير التموضع السياسي لتجنب انفجار سياسي قد تسببه تلك الملفات.

ويرى مراقبون أنّ العقوبات على سليمان فرنجية ومحمود قماطي ليست سوى البداية، وأنّ بغداد قد تتخذ في المرحلة المقبلة إجراءات إضافية ضد شخصيات وشبكات أخرى مرتبطة بالمحور الإيراني، في إطار سعيها لإثبات جديتها أمام واشنطن وإظهار أنّها حسمت خيارها السياسي الجديد.

إذا صح هذا المسار، فإنّ العراق قد يكون دخل مرحلة جديدة في تاريخه السياسي، لا تقوم على الموازنة بين واشنطن وطهران كما فعل طوال السنوات الماضية، بل على الانحياز التدريجي إلى الولايات المتحدة. وما بدأ بعقوبات على شخصيات مرتبطة بحزب الله قد يكون الخطوة الأولى في إعادة رسم موقع العراق في الشرق الأوسط، وإنهاء مرحلة طويلة من الهيمنة الإيرانية على القرار العراقي.