حين اخترعوا مفكراً يهودياً للشيخ نعيم

حين اخترعوا مفكراً يهودياً للشيخ نعيم

  • ١٥ آب ٢٠٢٦
  • جو حمّورة

الرجل الذي يفترض أن يشرح لجمهوره كيف يفكر «العدو الإسرائيلي» انتهى به الأمر إلى الاستناد إلى إسرائيلي لا يمكن العثور عليه.

ads

قد يبدو الخطأ الذي ارتكبه الشيخ نعيم قاسم في خطابه الأخير بسيطاً في ظاهره. لكن المشكلة أن الأمر ليس بهذه البساطة.

في الدقيقة ٢٢  تقريباً من خطابه، قال الشيخ نعيم إنّه كان يقرأ لمفكر يهودي اسمه «موشي يائير» في صحيفة «يديعوت أحرونوت»، ثم نقل عنه نصاً يقول، بحسب رواية الشيخ: «لحسن حظنا أنّهم أرسلوا وفداً يحب إسرائيل وأميركا أكثر من بلدهم لبنان... وعموماً، يا له من غباء... هؤلاء السادة اللبنانيون الذين يعملون لإنهاء حالة المقاومة، فهم يساعدوننا على احتلال بلدهم، من حيث يشعرون أو لا يشعرون».

هذه ليست جملة عابرة. الشيخ نعيم لم يذكرها بوصفها نكتة أو إشاعة سمعها في الطريق. لقد قدّمها على أنّها كلام مفكر يهودي، منشور في «يديعوت أحرونوت»، واستخدمها لتدعيم روايته السياسية عن الوفد اللبناني والمفاوضات.

وكان الكاتب السياسي ساطع نور الدين هو كشف الشيخ نعيم، مؤكداً أنّ لا أثر لهذا «المفكر اليهودي» في المصادر الإسرائيلية المعروفة، ولا وجوداً واضحاً لهذا النص المنسوب إليه في «يديعوت أحرونوت». القصة نفسها كانت قد انتشرت سابقاً عبر مواقع إعلامية لبنانية وإيرانية قريبة من «حزب الله»، قبل أن تُحذف عندما بدأت الأسئلة تُطرح حول مصدرها وصاحبها.

أي أنّ الشيخ نعيم لم يقع في خطأ نقل اسم مفكر معروف بصورة خاطئة. لقد نقل كلاماً إلى شخص غير موجود أصلاً.

ما حدث ليس زلة لسان. إنّها مشكلة في الطريقة التي تصل بها المعلومات إلى الرجل الذي يفترض أن يقود حزباً سياسياً ويخاطب جمهوره باعتباره صاحب معرفة بما يجري في إسرائيل ولبنان والمنطقة.

إنّ الشيخ نعيم، في ظروفه الحالية، يعيش حياة شديدة البعد عن الحياة الطبيعية. رجل يقيم تحت الأرض، محاط بإجراءات أمنية استثنائية، بعيد عن الناس والإعلام والحياة اليومية، ويقضي وقته في عالم مغلق تصل إليه الأخبار والمعلومات عبر طبقات من المستشارين والمساعدين والدوائر الحزبية.

وهذه الحياة تذكّر، من باب السخرية لا المقارنة التاريخية، بحياة بعض النساك والمتصوفة الذين اعتزلوا الدنيا في مغاراتهم وأديرتهم، حتى صار العالم الخارجي بالنسبة إليهم شيئاً يُروى ولا يُعاش.

لكن الناسك القديم كان يعتزل الدنيا ليتأملها. أما الشيخ نعيم فيبدو أنّه اعتزل الدنيا ثم صار يتحدث عنها من دون أن يعرف ماذا يحدث فيها.

المشكلة، إذاً، ليست فقط في الشيخ نعيم. فإذا كان الرجل يعيش في عزلة أمنية ويعتمد على ما يُقدَّم إليه، فإنّ السؤال الطبيعي يصبح: من الذي قدّم له هذه المعلومة؟ وهنا لا يمكن إعفاء مستشاريه من المسؤولية.

والسخرية الحقيقية هي أنّ «حزب الله» غالباً ما يقول أنّه يعرف إسرائيل أكثر من اللبنانيين جميعاً، ويقاتلها منذ عقود، ويقدم نفسه باعتباره الأكثر اطلاعاً على مجتمعها وإعلامها ومؤسساتها، ثم يعجز مستشاروه عن التأكد مما إذا كان «المفكر اليهودي» الذي يستشهد به أمينهم العام موجوداً أصلاً.

هذه ليست مشكلة معلومات فقط. إنّها مشكلة ثقة مفرطة بالجهل. فالرجل الذي يفترض أن يشرح لجمهوره كيف يفكر «العدو الإسرائيلي» انتهى به الأمر إلى الاستناد إلى إسرائيلي لا يمكن العثور عليه.

وهذا وحده يكفي لأن نسأل السؤال الذي كان ينبغي أن يُطرح قبل الخطاب لا بعده: ماذا يقرأ الشيخ نعيم هذه الأيام؟ ومن يقرأ له؟ وفي أي عالم يعيش؟

ads