هل ينظر حزب الله الى حروبه كعمليات ثأرية؟
في النقاشات بين حزب الله وخصومه حول الحروب التي بادر اليها بعد سنة ٢٠٠٠، يتمحور الخلاف حول مسائل مثل قرار الحرب والسلم، المقارنة بين تكاليف الحرب ونتائجها، معايير النصر والهزيمة.
اطرح في هذا النص فرضية ان الخلاف بين الطرفين حول هذه المسائل مصدره الاختلاف في النظرة الى موضوع النقاش نفسه، اي الحروب كفعل عسكري، وليس فقط حول ما يترتب عليها.
بدأتُ بالتساؤل عن نظرة حزب الله الى الحروب، نتيجة التفكّر بمقولته الشهيرة التي يروّج لها منذ حرب الاسناد، الا وهي "الكلمة للميدان".
الغريب ان الشعار نفسه الذي اطلقه حسن نصرالله بعد "حرب الاسناد"، بقي قائما مع نعيم قاسم، رغم سقوط الخيام وبنت جبيل وكانت النبطية وصور على وشك السقوط، اي رغم إختبار النتائج الكارثية التي استجلبها شعار "الكلمة للميدان" والذي تبيّن بما لا يحتمل الشك، انه يناسب اسرائيل تماما، هي التي تتحكم بتطورات الميدان من الارض والجو والبحر.
شعار "الكلمة للميدان" هو في الممارسة تبنٍ لمنطق الاحتلال طالما ان للقوة الكلمة الفصل في الميدان. فلماذا تتبناه مقاومة حزب الله للاحتلال؟
الجواب "السياسي" والاسهل، هو انه عندما تكون "الكلمة للميدان"، وإن استفادت منها اسرائيل عسكرياً، يستفيد منها حزب الله ومن ورائه ايران سياسيا، اذ ان انخراط الحزب في الحرب يبقي الكلمة له في علاقته مع الداخل اللبناني ومع السلطة اللبنانية، ويحفظ لإيران كلمتها في مفاوضاتها الاقليمية والدولية.
اما الجواب الأكثر تعقيدا فيتعلق بنظرة حزب الله الى الحرب نفسها. افترض في هذا النص ان حزب الله يخوض حروبه وكأنها عمليات ثأر. "الثأر هو عملية أخذ الدم والانتقام للقتيل ممّن قتله أو من أقاربه، وهو موروث اجتماعي قبائلي وثقافة تقليدية تتمحور حول استرداد الحقوق بطرق تتجاوز سلطة الدولة، وتتخذ أشكالاً مختلفة في التقاليد العشائرية والمجتمعات المغلقة."
نائب حزب الله إيهاب حماده ذكّرنا منذ اسابيع قليلة: "نحن نحمل ثأرنا منذ ١٤٠٠ سنة....وحقدنا اقوى من حقد الجمل". هتافات "لبيك يا حسين" لا تخرج عن هذا الاطار، حيث يتعهد الذين يهتفون بعدم ترك الامام الحسين وحيدا في معركته ضد يزيد وجماعته. ولما كانت العودة إلى الماضي مستحيلة ومعها نصرة الامام الحسين مباشرة، يمكن ان يُفهم من هذه الهتافات انها دعوة للثأر من الذين قتلوه، او من اقربائهم، او من الذين ينتمون الى جماعتهم. وفي الاصل الثأر للحسين هو ثأر ل"أهل البيت"، اي للعائلة او العشيرة او القبيلة، مما يتلاقى "حرفياً" مع المعنى الاصلي للثأر.
يسهل النظر الى حروب حزب الله في ٧ ايار ٢٠٠٨ في بيروت ولاحقا في سوريا واليمن، على أنها تندرج عقائديا في إطار عمليات الثأر للإمام الحسين، اذ انها كانت موجّهة تحديدا ضد السنّة، هنا وهناك وهنالك. اما حروبه مع اسرائيل، فيمكن النظر اليها من منظور آخر.
قبل سنة ٢٠٠٠، كان حزب الله يقاوم احتلال إسرائيل لجنوب لبنان وعملياته تصب في هدف التحرير. لكن بعد انسحاب اسرائيل وتمسكه بسلاحه على اثر ابتداعه مع نظام الأسد لإشكالية هوية "مزارع شبعا وتلال كفرشوبا"، بدأت الشكوك تتعاظم حول دوره ووظيفة مقاومته. الى ان راحت حروبه مع اسرائيل تبدو أقرب الى عمليات ثأر، لا سيما "حرب اسناد غزة" وحرب "الثأر لخامنئي".
واذا كانت حرب "الثأر لخامنئي" لا تحتاج إلى برهان بأنها عملية ثأر، فإن "حرب اسناد غزة" اكتسبت صفة الثأر عندما اعتبر نصرالله ان شهداءها انما يسقطون "على طريق القدس"، وللقدس رمزها الديني وهي مدينة تصارعت على ارضها الأديان. هذا المعنى الثأري الديني يدعّمه ان "حرب الاسناد" اتت على أثر "طوفان الاقصى"، والاقصى هو "أولى القبلتين" واحد اقدس المساجد في الاسلام.
الثأر لم يعد هنا ضد السنة بل ضد اليهود ومن أجل المسلمين مجتمعين، سنة وشيعة. هذا لا يضعف برأيي من الصفة الثأرية للحروب بقدر ما يعطيها طابعها الثأري الخالص بغض النظر عن أهدافها الدينية المتغيّرة.
ولعل تفحص خصائص الثأر بشكل عام يدعّم فرضية ان حروب حزب الله عمليات عسكرية ثأرية:
تجاوز الجاني: لا يقتصر العقاب في عمليات الثأر على القاتل المباشر فحسب، بل قد يمتد ليشمل أقاربه أو عائلته او داعميه. عنف حزب الله تجاه معارضيه في الداخل والذين يسميهم "خونة"، وقصف إيران مثلا للبلدان العربية ردا على هجمات اميركا، خير مثالين على ذلك.
طابع الاستمرارية: يُعدّ الثأر مسارا متواصلا لا ينقطع حيث يولّد كل ثأر ثأراً جديداً يستمر لأجيال. استمرار حزب الله في حروبه ضد اسرائيل بعد تحرير ٢٠٠٠، ملفت من هذا المنظور، وكذلك رفضه لأي سلام ممكن في المستقبل.
غياب دور الدولة: يسلب أصحاب الدم حق إقامة القصاص الشرعي من مؤسسات الدولة، ليصبح صراعاً قبلياً أو عائلياً او مذهبيا او دينيا يتجاوز الدولة. تهميش الدولة اللبنانية في حروب حزب الله، نافر ومتأصل.
الارتباط بالشرف والعار: يُنظر للثأر في بعض المجتمعات كمعيار للرجولة والدفاع عن الكرامة، مما يجعله إرثاً يصعب التخلص منه. وبهذا المعنى لا تعير الحروب الثأرية اهتماما بالنتائج بقدر ما يعنيها ردة الفعل بحد ذاتها كدليل على الرجولة والدفاع عن الكرامة(مثال على ذلك رشقة الصواريخ الستة على اسرائيل ثأرا للخامنئي بدون اعتبار لتأثيراتها العسكرية) . وفي هذا الاطار تأخذ مقولة "الكلمة للميدان" ابعادها العقائدية التي تتجاوز حسابات الربح والخسارة، فطالما هي تعبير عن الثأر، فهي بحد ذاتها انتصار مبين.
لا يضعف اعتبار حروب حزب الله عمليات ثأرية من وظيفتها الاقليمية كإمتداد لسياسات ايران التوسعية، بل يمدها بالنبض المذهبي الضروري لتجاوز تهمة التبعية المطلقة من جهة، ولتبرير ضرورة تحمّل الشيعة التكاليف الكبيرة البشرية والمادية من جهة ثانية. الأخطر في هذا السياق ان استمرار العمليات الثأرية ونتائجها الكارثية على الشيعة، يغذي بدوره نزعات عسكرية انتحارية تعبّر هذه المرة عن الثأر من النفس العاجزة عن الخروج من الدائرة الجهنمية. وهذا ما يستوعبه تماما العدو الإسرائيلي اذ يستمر في اعتداءاته مستفزا حزب الله للرد عليه بردود شكلية لا تجلب الّا المزيد من المآسي على بيئته.
اطرح في هذا النص فرضية ان الخلاف بين الطرفين حول هذه المسائل مصدره الاختلاف في النظرة الى موضوع النقاش نفسه، اي الحروب كفعل عسكري، وليس فقط حول ما يترتب عليها.
بدأتُ بالتساؤل عن نظرة حزب الله الى الحروب، نتيجة التفكّر بمقولته الشهيرة التي يروّج لها منذ حرب الاسناد، الا وهي "الكلمة للميدان".
الغريب ان الشعار نفسه الذي اطلقه حسن نصرالله بعد "حرب الاسناد"، بقي قائما مع نعيم قاسم، رغم سقوط الخيام وبنت جبيل وكانت النبطية وصور على وشك السقوط، اي رغم إختبار النتائج الكارثية التي استجلبها شعار "الكلمة للميدان" والذي تبيّن بما لا يحتمل الشك، انه يناسب اسرائيل تماما، هي التي تتحكم بتطورات الميدان من الارض والجو والبحر.
شعار "الكلمة للميدان" هو في الممارسة تبنٍ لمنطق الاحتلال طالما ان للقوة الكلمة الفصل في الميدان. فلماذا تتبناه مقاومة حزب الله للاحتلال؟
الجواب "السياسي" والاسهل، هو انه عندما تكون "الكلمة للميدان"، وإن استفادت منها اسرائيل عسكرياً، يستفيد منها حزب الله ومن ورائه ايران سياسيا، اذ ان انخراط الحزب في الحرب يبقي الكلمة له في علاقته مع الداخل اللبناني ومع السلطة اللبنانية، ويحفظ لإيران كلمتها في مفاوضاتها الاقليمية والدولية.
اما الجواب الأكثر تعقيدا فيتعلق بنظرة حزب الله الى الحرب نفسها. افترض في هذا النص ان حزب الله يخوض حروبه وكأنها عمليات ثأر. "الثأر هو عملية أخذ الدم والانتقام للقتيل ممّن قتله أو من أقاربه، وهو موروث اجتماعي قبائلي وثقافة تقليدية تتمحور حول استرداد الحقوق بطرق تتجاوز سلطة الدولة، وتتخذ أشكالاً مختلفة في التقاليد العشائرية والمجتمعات المغلقة."
نائب حزب الله إيهاب حماده ذكّرنا منذ اسابيع قليلة: "نحن نحمل ثأرنا منذ ١٤٠٠ سنة....وحقدنا اقوى من حقد الجمل". هتافات "لبيك يا حسين" لا تخرج عن هذا الاطار، حيث يتعهد الذين يهتفون بعدم ترك الامام الحسين وحيدا في معركته ضد يزيد وجماعته. ولما كانت العودة إلى الماضي مستحيلة ومعها نصرة الامام الحسين مباشرة، يمكن ان يُفهم من هذه الهتافات انها دعوة للثأر من الذين قتلوه، او من اقربائهم، او من الذين ينتمون الى جماعتهم. وفي الاصل الثأر للحسين هو ثأر ل"أهل البيت"، اي للعائلة او العشيرة او القبيلة، مما يتلاقى "حرفياً" مع المعنى الاصلي للثأر.
يسهل النظر الى حروب حزب الله في ٧ ايار ٢٠٠٨ في بيروت ولاحقا في سوريا واليمن، على أنها تندرج عقائديا في إطار عمليات الثأر للإمام الحسين، اذ انها كانت موجّهة تحديدا ضد السنّة، هنا وهناك وهنالك. اما حروبه مع اسرائيل، فيمكن النظر اليها من منظور آخر.
قبل سنة ٢٠٠٠، كان حزب الله يقاوم احتلال إسرائيل لجنوب لبنان وعملياته تصب في هدف التحرير. لكن بعد انسحاب اسرائيل وتمسكه بسلاحه على اثر ابتداعه مع نظام الأسد لإشكالية هوية "مزارع شبعا وتلال كفرشوبا"، بدأت الشكوك تتعاظم حول دوره ووظيفة مقاومته. الى ان راحت حروبه مع اسرائيل تبدو أقرب الى عمليات ثأر، لا سيما "حرب اسناد غزة" وحرب "الثأر لخامنئي".
واذا كانت حرب "الثأر لخامنئي" لا تحتاج إلى برهان بأنها عملية ثأر، فإن "حرب اسناد غزة" اكتسبت صفة الثأر عندما اعتبر نصرالله ان شهداءها انما يسقطون "على طريق القدس"، وللقدس رمزها الديني وهي مدينة تصارعت على ارضها الأديان. هذا المعنى الثأري الديني يدعّمه ان "حرب الاسناد" اتت على أثر "طوفان الاقصى"، والاقصى هو "أولى القبلتين" واحد اقدس المساجد في الاسلام.
الثأر لم يعد هنا ضد السنة بل ضد اليهود ومن أجل المسلمين مجتمعين، سنة وشيعة. هذا لا يضعف برأيي من الصفة الثأرية للحروب بقدر ما يعطيها طابعها الثأري الخالص بغض النظر عن أهدافها الدينية المتغيّرة.
ولعل تفحص خصائص الثأر بشكل عام يدعّم فرضية ان حروب حزب الله عمليات عسكرية ثأرية:
تجاوز الجاني: لا يقتصر العقاب في عمليات الثأر على القاتل المباشر فحسب، بل قد يمتد ليشمل أقاربه أو عائلته او داعميه. عنف حزب الله تجاه معارضيه في الداخل والذين يسميهم "خونة"، وقصف إيران مثلا للبلدان العربية ردا على هجمات اميركا، خير مثالين على ذلك.
طابع الاستمرارية: يُعدّ الثأر مسارا متواصلا لا ينقطع حيث يولّد كل ثأر ثأراً جديداً يستمر لأجيال. استمرار حزب الله في حروبه ضد اسرائيل بعد تحرير ٢٠٠٠، ملفت من هذا المنظور، وكذلك رفضه لأي سلام ممكن في المستقبل.
غياب دور الدولة: يسلب أصحاب الدم حق إقامة القصاص الشرعي من مؤسسات الدولة، ليصبح صراعاً قبلياً أو عائلياً او مذهبيا او دينيا يتجاوز الدولة. تهميش الدولة اللبنانية في حروب حزب الله، نافر ومتأصل.
الارتباط بالشرف والعار: يُنظر للثأر في بعض المجتمعات كمعيار للرجولة والدفاع عن الكرامة، مما يجعله إرثاً يصعب التخلص منه. وبهذا المعنى لا تعير الحروب الثأرية اهتماما بالنتائج بقدر ما يعنيها ردة الفعل بحد ذاتها كدليل على الرجولة والدفاع عن الكرامة(مثال على ذلك رشقة الصواريخ الستة على اسرائيل ثأرا للخامنئي بدون اعتبار لتأثيراتها العسكرية) . وفي هذا الاطار تأخذ مقولة "الكلمة للميدان" ابعادها العقائدية التي تتجاوز حسابات الربح والخسارة، فطالما هي تعبير عن الثأر، فهي بحد ذاتها انتصار مبين.
لا يضعف اعتبار حروب حزب الله عمليات ثأرية من وظيفتها الاقليمية كإمتداد لسياسات ايران التوسعية، بل يمدها بالنبض المذهبي الضروري لتجاوز تهمة التبعية المطلقة من جهة، ولتبرير ضرورة تحمّل الشيعة التكاليف الكبيرة البشرية والمادية من جهة ثانية. الأخطر في هذا السياق ان استمرار العمليات الثأرية ونتائجها الكارثية على الشيعة، يغذي بدوره نزعات عسكرية انتحارية تعبّر هذه المرة عن الثأر من النفس العاجزة عن الخروج من الدائرة الجهنمية. وهذا ما يستوعبه تماما العدو الإسرائيلي اذ يستمر في اعتداءاته مستفزا حزب الله للرد عليه بردود شكلية لا تجلب الّا المزيد من المآسي على بيئته.

