سوريا تخرج من العزلة المالية.. فهل يربح لبنان من الانفتاح السوري؟
سوريا تخرج من العزلة المالية.. فهل يربح لبنان من الانفتاح السوري؟
قدرة لبنان على الاستفادة من هذه المرحلة مرتبطة بإصلاح قطاعه المصرفي، وإعادة بناء الثقة بالنظام المالي، ومعالجة ملف الودائع، والالتزام بمعايير الامتثال الدولية.
بعد سنوات من العقوبات والعزلة المالية، بدأت سوريا تدخل مرحلة جديدة من إعادة الاندماج في النظام المالي العالمي، في تحوّل قد لا تقتصر تداعياته على الاقتصاد السوري، بل قد تمتد إلى لبنان، بحكم الترابط المصرفي والتجاري والجغرافي بين البلدين.
وفي 24 آب 2026، أزالت الولايات المتحدة رسميًا سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب، في خطوة اعتُبرت من أبرز التحولات في مسار إعادة انفتاح الاقتصاد السوري على العالم.
ولم يتأخر الانعكاس المالي لهذا القرار، إذ أعلنت Visa وMastercard في 27 آب عن تنفيذ أولى عمليات الدفع الدولية في سوريا، في خطوة تمهّد لعودة التعامل بالبطاقات الدولية تدريجيًا. وفي تجربة Visa، شارك مصرف Fransabank اللبناني كمؤسسة مالية مستحوذة على العملية، فيما تعاونت Mastercard مع بنك قطر الوطني.
بعد سنوات من الاعتماد الكبير على التعاملات النقدية، يشكل دخول شبكات الدفع العالمية تحولًا مهمًا للقطاع المصرفي السوري، إلا أنّ الاندماج الكامل في النظام المالي العالمي لا يزال يحتاج إلى تطوير أنظمة الامتثال والحوكمة وإدارة المخاطر والأمن السيبراني، وإعادة بناء العلاقات مع المصارف المراسلة.
108 مليارات دولار أضرار… و216 مليارًا لإعادة الإعمار
ويأتي هذا الانفتاح في وقت تواجه فيه سوريا واحدة من أكبر فواتير إعادة الإعمار في المنطقة.
فبحسب البنك الدولي، بلغت الأضرار المادية التي لحقت بالبنية التحتية والمباني بين عامي 2011 و2024 نحو 108 مليارات دولار.
أما كلفة إعادة الإعمار، فقدّرها البنك الدولي بنحو 216 مليار دولار، ضمن نطاق يتراوح بين 140 و345 مليار دولار، أي ما يقارب عشرة أضعاف الناتج المحلي الإجمالي السوري لعام 2024.
وتتوزع هذه الكلفة على قطاعات أساسية، بينها نحو 82 مليار دولار للبنية التحتية، و75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمباني غير السكنية.
وهذه الأرقام تعكس حجم التمويل والاستثمارات التي تحتاجها سوريا، وتضع القطاع المصرفي أمام دور أساسي في فتح قنوات التمويل اللازمة لإعادة الإعمار.
لكن ماذا يعني ذلك بالنسبة إلى لبنان؟
أكثر من 1.6 مليار دولار أموال سورية موجودة في لبنان. ومن أبرز الملفات
التي قد تعود إلى الواجهة ملف انكشاف المصارف السورية على القطاع المصرفي اللبناني.
فبحسب بيانات مصرف سوريا المركزي، تجاوز انكشاف المصارف التجارية السورية على لبنان 1.6 مليار دولار، في حين يبلغ إجمالي ودائع القطاع المصرفي التجاري السوري نحو 4.9 مليارات دولار.
وقد جعلت الأزمة المالية اللبنانية هذه الأموال من أبرز التحديات التي تواجه المصارف السورية، إذ طلب مصرف سوريا المركزي في عام 2025 من المصارف التجارية معالجة خسائرها المرتبطة بالأزمة اللبنانية وتقديم خطط لإعادة الهيكلة.
ومع تحسّن البيئة القانونية والمالية المحيطة بسوريا، قد يفتح هذا الملف الباب أمام آليات جديدة لمعالجة هذه الأموال، لكن ذلك يبقى مرتبطًا بوضع المصارف اللبنانية وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها وإعادة هيكلة القطاع.
التجارة وإعادة الإعمار… أين الفرصة اللبنانية؟
قد يؤدي الانفتاح السوري إلى إعادة تنشيط التجارة البرية بين البلدين، وزيادة الطلب على النقل والخدمات اللوجستية والتخليص والاستيراد والتصدير.
لكن المعادلة تحمل وجهًا آخر أيضًا؛ فمع استعادة المرافئ والمطارات السورية قدرتها على التعامل مع الخارج، قد تتراجع بعض الأنشطة التي كانت تمر عبر لبنان بصورة اضطرارية خلال سنوات العقوبات.
أما الفرصة الأكبر، فقد تكون في إعادة الإعمار، إذ إنّ سوقًا تحتاج إلى نحو 216 مليار دولار لإعادة بناء أصولها المادية تمثل مجالًا واسعًا أمام الشركات اللبنانية في الهندسة والمقاولات والاستشارات والنقل والتجارة والخدمات.
كما أنّ المصارف اللبنانية التي لديها ارتباطات تاريخية بالسوق السورية قد تجد نفسها أمام فرصة لإعادة تقييم استثماراتها أو تفعيل بعض أعمالها، إذا استمر تحسن البيئة المالية والقانونية.
واللافت أنّ لبنان دخل بالفعل في إحدى خطوات الانفتاح المالي السوري، من خلال مشاركة Fransabank في أول تجربة دولية لبطاقة Visa في سوريا، بالتعاون مع شركة Paymera السورية.
وماذا عن التحويلات؟
إعادة فتح القنوات المالية الرسمية يمكن أن تسهّل حركة الأموال بين البلدين، خصوصًا مع وجود أعداد كبيرة من العمال السوريين في لبنان. ومع توسع القنوات الرسمية، قد تصبح التحويلات أكثر تنظيمًا وشفافية وأقل اعتمادًا على القنوات غير الرسمية.
لبنان أمام فرصة، ولكن أيضًا أمام اختبار
الأرقام تكشف حجم الفرصة وحجم التحدي في الوقت نفسه:
108 مليارات دولار أضرار مادية في سوريا، 216 مليار دولار كلفة تقديرية لإعادة الإعمار، وأكثر من 1.6 مليار دولار من انكشاف المصارف السورية على لبنان.
لكن قدرة لبنان على الاستفادة من هذه المرحلة ستبقى مرتبطة بإصلاح قطاعه المصرفي، وإعادة بناء الثقة بالنظام المالي، ومعالجة ملف الودائع، والالتزام بمعايير الامتثال الدولية.
فالسؤال لم يعد فقط: هل تستطيع سوريا العودة إلى النظام المالي العالمي؟ بل أيضًا: هل يستطيع لبنان أن يستفيد من هذه العودة، أم أنّ أزمته المصرفية ستمنعه من لعب دور أساسي في المرحلة الاقتصادية السورية المقبلة؟

