قسد سلّمت السلاح وعبدي انضوى تحت راية دمشق، فماذا عن الدروز؟
قسد سلّمت السلاح وعبدي انضوى تحت راية دمشق، فماذا عن الدروز؟
قسد سلمت سلاحها لأنّ التحالفات التي حمتها تغيرت. أما الدروز، فتحالفهم لا يزال قائماً، وحليفهم موجود على حدودهم ويعلن استعداده للدفاع عنهم.
بعد سنوات من السيطرة العسكرية والإدارة المستقلة، سلّمت قوات سوريا الديمقراطية سلاحها وانضوى قائدها مظلوم عبدي تحت راية الدولة السورية. مشهد أعاد طرح السؤال الأصعب في سوريا الجديدة: إذا كان الملف الكردي قد وجد طريقه نحو دمشق، فهل يسلك الدروز الطريق نفسه؟
الجواب لا يرتبط فقط بما تريده الدولة السورية، بل بطبيعة التحالفات التي تحيط بكل مكوّن. فقسد وأكراد سوريا وجدوا أنفسهم عند نقطة تقاطع بين المصالح الأميركية والتركية، بينما ارتبطت حساباتهم أيضاً بموقف إقليم كردستان العراق ورغبته في المحافظة على التهدئة مع أنقرة.
الولايات المتحدة دعمت قسد لسنوات، لكنها لم تكن مستعدة لتحويل هذا الدعم إلى مواجهة دائمة مع تركيا. فأنقرة تعتبر أي كيان كردي مسلح قرب حدودها تهديداً مباشراً لأمنها القومي، والتقارب المتزايد بينها وبين واشنطن جعل استمرار الوضع السابق أكثر صعوبة.
وفي الوقت نفسه، لم يكن إقليم كردستان راغباً في تفجير علاقته مع تركيا من أجل بقاء قسد خارج الدولة السورية. فمصالحه الاقتصادية والسياسية تفرض عليه حماية التهدئة مع أنقرة، لا الدخول في مواجهة جديدة معها. ومع تقاطع هذه المصالح، وجد مظلوم عبدي نفسه أمام خيار واضح: الانضواء داخل سوريا أو خسارة الغطاء الذي سمح لقواته بالبقاء.
لهذا لم يكن قرار قسد عسكرياً فقط، بل نتيجة تفاهمات إقليمية ودولية دفعتها إلى العودة تحت راية دمشق. فالولايات المتحدة اقتربت من تركيا، وإقليم كردستان اختار الاستقرار معها، فيما تقلصت المساحة التي كانت تسمح لأكراد سوريا بالمناورة بين الأطراف المختلفة.
أما الدروز، فقصة أخرى تماماً.
تحالف الدروز ليس مع الولايات المتحدة، بل مع إسرائيل الموجودة مباشرة قرب مناطقهم. وهذا الفارق الجغرافي والسياسي يجعل المقارنة بينهم وبين قسد ناقصة. فواشنطن تستطيع إعادة ترتيب أولوياتها أو عقد تفاهم مع أنقرة من مسافة بعيدة، أما إسرائيل فترى ما يحدث للدروز جزءاً من أمن حدودها ومن توازناتها الداخلية والإقليمية.
فالدروز ليسوا جماعة بعيدة عن النسيج الإسرائيلي. مذهبهم موجود داخل إسرائيل، وأبناؤه منضوون ضمن مؤسسات الدولة ويخدمون في جيشها. كما أنّ علاقة الشيخ موفق طريف بالمؤسسة السياسية الإسرائيلية تمنح ملف دروز سوريا حضوراً دائماً داخل مراكز القرار في تل أبيب.
ويضاف إلى ذلك الموقع الجغرافي للسويداء والمناطق الدرزية القريبة من الحدود الإسرائيلية. فإسرائيل لا تنظر إلى هذه المنطقة بوصفها شأناً سورياً داخلياً فقط، بل باعتبارها مساحة مرتبطة بأمنها ومنع وصول أي قوة معادية إلى محيطها المباشر. ولذلك لن يكون التخلي عن الدروز بالنسبة إليها قراراً سهلاً، مهما كانت التسويات الإقليمية المطروحة.
مصدر دبلوماسي أميركي قال إنّ إسرائيل لن تترك الدروز وحدهم في أي وقت قريب، وستدافع عنهم في مواجهة أي هجوم يستهدفهم. وبحسب المصدر، فإنّ العلاقة بين الطرفين تجاوزت مرحلة التحالف المؤقت، وأصبحت مرتبطة باعتبارات مذهبية وسياسية وأمنية تجعل أي اعتداء على الدروز اختباراً مباشراً للموقف الإسرائيلي.
لهذا، فإنّ ما حدث مع قسد لا يمكن تطبيقه تلقائياً على الدروز. مظلوم عبدي خضع لمعادلة تركية أميركية كردية دفعته نحو دمشق، أما الدروز فيتحركون ضمن معادلة مختلفة تقف فيها إسرائيل طرفاً مباشراً وقريباً، لا حليفاً بعيداً يمكنه الانسحاب عند تبدل المصالح.
قد تنجح دمشق في إعادة قسد إلى مؤسسات الدولة، لكنها أمام واقع مختلف تماماً في السويداء. فالسويداء ليست ملفاً آخر ينتظر دوره للدخول تحت راية دمشق، ولا يمكن التعامل معها على أساس أنّ ما حصل مع مظلوم عبدي سيتكرر مع الدروز. المعادلة التي تحكم الجنوب مختلفة، والتحالفات مختلفة، وكذلك الحسابات الإسرائيلية المرتبطة بأمن المنطقة ومستقبلها.
قسد سلّمت سلاحها لأنّ التحالفات التي حمتها تغيرت. أما الدروز، فتحالفهم لا يزال قائماً، وحليفهم موجود على حدودهم ويعلن استعداده للدفاع عنهم. ولهذا، فالسويداء ملف مختلف، ولن تعود تحت راية دمشق ما دامت هذه المعادلة قائمة.

