ماذا لو كان بشير رئيسنا اليوم؟

ماذا لو كان بشير رئيسنا اليوم؟

  • ١٣ أيلول ٢٠٢٦
  • أنطوني سعد

لم يكن الخوف من الحرب الأهلية ليمنعه من تطبيق السيادة. كان يدرك أنّ هذه الحجة ستستخدم دائماً لحماية الأمر الواقع وترهيب كل من يحاول تغييره

 

في لبنان اليوم، يجلس رئيس الجمهورية أمام دولة منقوصة السيادة، وجيش مكبل بالحسابات السياسية، وحزب يحتفظ بسلاحه وقرار حربه، فيما تتدخل إيران في شؤون البلاد تحت عنوان حماية لبنان. وبين الخوف من المواجهة وانتظار التسويات الخارجية، يبرز سؤال واحد: ماذا لو كان بشير الجميّل رئيسنا اليوم؟

من يعرف مشروع بشير يدرك أنّ جوابه عن كل ما يحدث كان سيكون واضحاً: لا.

بشير لم يكن ليقبل باتفاق إطار يمنح الدولة وعوداً مؤجلة فيما تبقى سلطتها غائبة. لم يكن بالنسبة إليه ممكناً بناء جمهورية من خلال اتفاقات غامضة تترك المشكلة الأساسية من دون حل. فالدولة إما أن تمتلك قرارها كاملاً، وإما أن تبقى مجرد واجهة لمعادلة تفرضها القوى المسلحة عليها.

ولم يكن بشير ليقبل ببقاء حزب الله محتفظاً بسلاحه. ليس لأنّه كان يبحث عن مواجهة داخلية، بل لأنّه كان يؤمن بأن وجود جيشين وقرارين على أرض واحدة يعني غياب الدولة. السلاح في نظره لم يكن ورقة يمكن تأجيل بحثها أو التعايش معها، بل كان جوهر السيادة وأساس قيام الجمهورية.

كذلك لم يكن ليقبل بقائد جيش يراقب تمدّد الحزب من دون أن يقوم بشيء. كان يريد جيشاً يحمي حدود لبنان وقراره ومؤسساته، لا جيشاً ينتظر التوافق السياسي كي ينفذ واجبه. فالمؤسسة العسكرية، في مفهوم بشير، لم تكن قوة للفصل بين اللبنانيين فقط، بل كانت الأداة الشرعية الوحيدة لحماية الدولة ومنع أي طرف من فرض إرادته عليها.

بشير أيضاً لم يكن ليستسلم للقدر، منتظراً أن تأتي الدول الخارجية بحل للبنان. كان يعرف أهمية العلاقات الدولية، لكنه لم يكن ليحولها إلى بديل عن القرار الوطني. كان سيطلب دعم الخارج للدولة، لا أن يطلب من الخارج أن يدير الدولة ويقرر عنها.

ولم يكن ليقبل بالتسويف في قضية انفجار مرفأ بيروت. لم يكن ليرضى بتحويل دماء الضحايا إلى ملف عالق بين الحصانات والتدخلات السياسية وتبادل الاتهامات. ففي مفهومه للدولة، لا يمكن بناء جمهورية بينما تبقى واحدة من أكبر الجرائم التي ضربت لبنان بلا حقيقة وبلا محاسبة. كان سيعتبر أنّ حماية التحقيق وحسم المسؤوليات واجب على رأس الدولة، لا قضية يمكن تأجيلها خوفاً من أصحاب النفوذ.

كذلك لم يكن ليسمح بأن تضيع أموال المودعين بين المصارف والسياسيين ومصرف لبنان، فيما يُطلب من اللبنانيين انتظار خطط ووعود لا تعيد إليهم حقوقهم. لم يكن ليقبل بأن يدفع المواطن وحده ثمن انهيار صنعته منظومة كاملة، أو أن تتحول الودائع إلى أرقام محجوزة من دون محاسبة واضحة. كان سيضع استعادة أموال الناس في صلب معركة استعادة الدولة، لأنّ الجمهورية التي تعجز عن حماية تعب مواطنيها ومدخراتهملا تستطيع الادعاء بأنّها تحميهم.

أما أن تحارب إيران باسم لبنان وتحميه كما تدعي، فذلك لم يكن ليكون مقبولاً لديه. لبنان لم يكن في مشروع بشير جبهة تابعة لأي محور، ولا ساحة تستخدمها طهران لتحسين شروطها في مفاوضاتها مع واشنطن. كان وطناً له مصلحته وحدوده وجيشه، ولا يحق لأي دولة أن تقرر متى يقاتل اللبنانيون ومتى يدفعون الثمن.

ولم يكن الخوف من الحرب الأهلية ليمنعه من تطبيق السيادة. كان يدرك أنّ هذه الحجة ستستخدم دائماً لحماية الأمر الواقع وترهيب كل من يحاول تغييره. لكنه كان يعرف أيضاً أنّ السلام القائم على ضعف الدولة ليس سلاماً دائماً، وأنّ تأجيل المشكلة لا يلغيها بل يجعل انفجارها المقبل أكثر خطورة.

لو كان بشير رئيسنا اليوم، لما قبل بنصف دولة ولا بنصف سيادة، كما لم يكن ليقبل بنصف عدالة أو بنصف حقوق. لم يكن ليغطي العجز بكلمات هادئة، ولا التنازل بالحكمة، ولا الخوف بالواقعية. كان سيعتبر أنّ مهمة الرئيس ليست إدارة الانهيار والتسويف في الملفات الكبرى، بل إعادة بناء الدولة مهما كان الثمن السياسي.

فبشير لم يكن رجلاً يستسلم للأمر الواقع، بل كان رجلاً يريد فرض واقع جديد. وفي لبنان اليوم، ربما هذا بالتحديد ما نفتقده.