ما يظهر على سطح المجتمع، لا يعكس باطنه، ومن يتنقل بين شوارع بيروت الفخمة، والساحل اللبناني من العاصمة حتى البترون شمالاً، سيخرج بإنطباع أنّ الأوضاع الإقتصادية بألف خير.
يد «آدم سميث»(مؤسس علم الاقتصاد) الخفية لم تفعل فعلها في لبنان. إنّها المافيات. رجال يخرجون من سياراتهم رباعية الدفع ذات الزجاج الداكن، بسلاحهم ومرافقيهم ووشم الأسلحة على رقابهم، بأوضح تجلٍّ للسلطة المالية المستحدثة اليوم، بفعل الإقتصاد النقدي. هذا الإقتصاد لا يخضع لوساطة المصارف، وهذا ما يجعل التعاملات غير نظامية، وغير خاضعة لرقابة وزارة المال، ولا تفرض عليه ضريبة. بات يبلغ إقتصاد «الكاش» في لبنان حتى عام 2022، 9.9 مليار دولار، أي حوالي نصف الإقتصاد اللبناني. وذكر البنك الدولي في تقرير له في كانون الأول 2023، أنّ لبنان قد فشل في محاربة الإقتصاد النقدي.
كان يبلغ سعر الصرف عام 2019، 1515 ليرة لبنانية، وبدأ إرتفاعه في آب 2019، حتى وصل اليوم إلى 89,500 ليرة لبنانية، وبلغ حده الأقصى في آذار 2023، حيث وصل حينها إلى قرابة 140 ألف ليرة لبنانية. ترافق إنهيار العملة، الذي أطاح بـ 95 في المئة من قيمتها، مع إنهيار شبكات الأمان الاجتماعية، وإرتفاع معدلات الفقر، حيث وصلت نسبته حتى تشرين الأول 2023 إلى 85 في المئة، كما إرتفعت نسبة البطالة إلى 29.6 في المئة بحسب الإحصاء المركزي، وإرتفع التضخم بنسبة 5000 في المئة منذ تشرين الأول 2019.
(رسم بياني تفاعلي)
وقد إحتل لبنان المرتبة الثانية بعد السودان لناحية معدلات التضخم عالمياً عام 2022، بحسب «فيتش سوليوشنز». ظهرت الأرقام في دراسة «الأزمة الإقتصادية في لبنان بحسب القطاع: التحدّيات والفرص في قطاع الصناعة»، الصادرة عن «المركز اللبناني للدراسات»، في نيسان 2023. وتشير الدراسة إلى أنّ 4 ملايين شخص يعيشون في حال من الفقر المتعدد الأبعاد، ومليوني شخص، بينهم 1.29 مليون لبناني و700 ألف سوري، عانوا من إنعدام الأمن الغذائي بين أيلول وكانون الأول 2022.
من البديهي القول أنّ هذا الواقع الإقتصادي المتردّي، يحول دون تمتع المواطنين بترف الجلوس في المطاعم، خاصة بعد أن عمدت المطاعم إلى التسعير بالدولار، بناءً على قرار وزير الإقتصاد أمين سلام بالدولرة في 27 شباط 2023، والذي بدأ العمل به في الأول من آذار 2023.
ورد في النسخة الثالثة لقائمة موقع best50، لأفضل 50 مطعماُ في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ثلاث مطاعم لبنانية، وهم مطعم «أم شريف» في المرتبة الثامنة على المستوى الإقليمي، ومطعم «البارون» في المرتبة الـ 16، ومطعم «طاولة مار مخايل» في المرتبة الـ 31.
تتراوح الأسعار في مطعم «أم شريف» بين 45 دولار للفرد للائحة طعام الغداء، و55 دولاراً لغداء يوم الأحد و65 دولار للعشاء. أما في مطعم «البارون» فتتراوح الأسعار بين 10 دولارات لطبق مقبلات لتصل إلى 50 دولارأً للطبق الرئيسي. أسعار «طاولة مار مخايل» أرخص، ولا تتعدى حصة الفرد الـ 20 دولارأً.
اليوم، وبعد أن رفعت الموازنة الأخيرة الأجور الى 7 أضعاف، بات يبلغ الأجر في القطاع العام قرابة 135 دولار، أما متوسط الأجور في القطاع الخاص فهي بمعدل 300 إلى 400 دولاراً. وبالتالي، يمكن لموظف القطاع العام أن يتناول الغداء في مطعم «أم شريف» ثلاث مرات شهرياً، بمرتبه كلّه، وموظف القطاع الخاص حوالي 8 وجبات.
تزامناً، يظهر بحث للـ «الدولية للمعلومات» أنّ كلفة معيشة الأسرة اللبنانية المؤلفة من 4 أفراد، تبلغ 52 مليون ليرة شهرياً، أي قرابة 580 دولار في القرية، و71 مليون ليرة لبنانية أي قرابة 790 دولاراً في المدينة. أي حوالي 12 وجبة غداء في المطعم عينه.
وعليه، كيف تمتلئ المطاعم في لبنان؟ ومن لديه القدرة على دفع 50 دولار لكل وجبة طعام؟ يرتاد المطاعم 10 في المئة من المقيمين، أضِف إليهم السياح والمغتربين. ويبلغ المقيمون قرابة 5 ملايين ونصف نسمة، بينهم 3 ملايين ونصف لبناني، بحسب دراسة الوزير السابق شربل نحاس «لبنان: الهجرات والأزمات: أرض، سكان، دولة؟» الصادرة في تشرين الأول 2023. في حال حصرنا رواد المطاعم بالمقيمين فقط، دون السياح والمغتربين، فالـ 10 في المئة من 5 ملايين ونصف، يبلغون 550 ألف فرد، وهم لديهم القدرة على ملء المطاعم من بيروت حتى البترون.
ورغم قساوة المقارنة بين الواقع المعاش في الباطن، وبين الحياة الخيالية على السطح، تكمن المشكلة الأساسية في نكران الأزمة، بحجة أنّ الـ 10 في المئة يملئون المطاعم، ويدفعون أقساط المدارس والجامعات الخاصة، ويستطيعون تحمل تكاليف الإستشفاء الخاص وشركات التأمين، وإكمال حياتهم بشكلٍ طبيعي، وكأنّ الإنهيار لم يأتِ على المجتمع وأبنائه ومدخراتهم، ومستقبل أجياله القادمة.