صور والشقيف: عندما يصبح التراث ضحية الصراع
صور والشقيف: عندما يصبح التراث ضحية الصراع
في الحروب، لا تكون الخسارة دائماً بشرية أو مادية فقط. أحياناً تمتد إلى ما هو أبعد من ذلك، إلى الذاكرة التي تحفظها المدن القديمة والقلاع والمعابد. وفي الجنوب اللبناني اليوم، تبدو صور وقلعة الشقيف مثالاً حياً على تراثٍ بات يقف هو الآخر في مواجهة الخطر.
حين تصاب القلاع والمعابد القديمة , لا يكون الدمار عمرانيا" فقط بل يصيب فكرة البقاء نفسها . هناك دائماً شيء أعمق يُصاب بصمت: الذاكرة.
وحين تمتد النيران إلى المدن القديمة والقلاع والمعابد، يصبح الدمار أكبر من مجرد خسارة عمرانية، لأن ما يُستهدف عندها ليس الحجر فقط، بل التاريخ الذي يحمله هذا الحجر منذ مئات وآلاف السنين.
في الجنوب اللبناني اليوم، تبدو هذه الصورة أكثر وضوحاً من أي وقت مضى. فمع اتساع دائرة المواجهات والدمار، لم تعد المخاطر محصورة بالمنازل والطرقات والبنى التحتية، بل اقتربت أيضاً من أبرز المعالم التاريخية التي شكّلت لعقود جزءاً من هوية لبنان الثقافية والحضارية.
مدينة صور ليست مجرد مدينة جنوبية عادية.
إنها واحدة من أقدم المدن المأهولة في العالم، وموقع يحمل طبقات متراكمة من الحضارات الفينيقية والرومانية واليونانية والإسلامية. في أحيائها القديمة وأعمدتها الحجرية ومرافئها، تختبئ ذاكرة المتوسط بأكمله. ولهذا السبب أُدرجت المدينة على لائحة التراث العالمي، باعتبارها جزءاً من الإرث الإنساني لا اللبناني فقط.
لكن الحروب لا تعترف كثيراً بلوائح التراث.
فالمدينة التي نجت عبر قرون من الغزوات والتحولات الكبرى، تجد نفسها اليوم أمام تهديد جديد، ليس فقط من القصف المباشر، بل أيضاً من الإهمال والخوف وتحويل الجنوب بأكمله إلى مساحة مفتوحة للتوتر الدائم. وفي بلد يعيش انهياراً اقتصادياً ومؤسساتياً عميقاً، تصبح حماية الآثار أولوية مؤجلة دائماً، كأن التاريخ نفسه بات ترفاً لا يملك اللبنانيون وقتاً للاهتمام به.
المشهد ذاته يتكرر في قلعة الشقيف (أرنون قضاء النبطية)
هذه القلعة المعلّقة فوق تلال الجنوب ليست مجرد موقع أثري أو نقطة جغرافية مرتفعة، بل شاهد طويل على تاريخ متراكم من الحروب والتحولات. مرّت عليها إمبراطوريات وجيوش ومعارك، وبقيت طوال عقود رمزاً لذاكرة الجنوب السياسية والعسكرية والتاريخية.
لكن ما تواجهه اليوم مختلف.
فالقلعة التي صمدت في وجه قرون من الصراعات، تبدو اليوم محاطة بخطر مستمر، في منطقة تتحول تدريجياً إلى ساحة مواجهة مفتوحة. ومع كل تصعيد، يعود السؤال ذاته: من يحمي هذا الإرث؟ ومن يملك القدرة فعلاً على منع خسارة جديدة قد لا يمكن تعويضها؟
المشكلة أن الجنوب اللبناني بات يعيش نوعاً من الاستنزاف الشامل.
فالخسارة لم تعد مرتبطة بالبشر فقط، ولا حتى بالاقتصاد المنهار وحده، بل أصبحت تطال صورة المكان نفسه. هناك قرى تغيّرت ملامحها بالكامل، وأحياء اختفت، وطرق قُطعت، وذاكرة جماعية تتآكل تدريجياً تحت ضغط الحرب والنزوح والخوف.
وفي لحظة كهذه، يصبح التراث أكثر هشاشة من أي وقت مضى.
الواقع اللبناني الحالي يقوم على إدارة الأزمات اليومية فقط. ولهذا، تبدو المواقع الأثرية في الجنوب كأنها تُترك لمصيرها، في انتظار أن تمرّ العاصفة.
لكن السؤال الأهم ربما لا يتعلق فقط بالحجارة القديمة، بل بمعنى خسارتها.
فالمدن الأثرية ليست مجرد مواقع سياحية، بل ذاكرة شعوب كاملة. وعندما يُصاب هذا التراث، تُصاب معه فكرة الاستمرارية نفسها. لأن الشعوب التي تفقد ذاكرتها تصبح أكثر هشاشة أمام الحروب والانقسامات والتبدلات السياسية.
ولهذا، فإن الخطر الذي يهدد صور وقلعة الشقيف اليوم لا يمكن التعامل معه كخبر عابر في نشرات الأخبار. المسألة هنا تتعلق بما إذا كان لبنان قادراً على حماية ما تبقّى من هويته التاريخية وسط كل هذا الانهيار.
والمفارقة المؤلمة أن الجنوب، الذي لطالما قُدِّم بوصفه مساحة للصمود، يتحول تدريجياً إلى مساحة للخسارات المتراكمة. خسارة بشر، وخسارة اقتصاد، وخسارة استقرار، وربما أيضاً خسارة ذاكرة كاملة.
هكذا، لا تُقاس الحروب بعدد المباني التي تهدمت فقط، بل أيضاً بما تتركه خلفها من فراغ في ذاكرة الشعوب.
وحين تصبح القلاع القديمة والمعابد والمدن التاريخية في دائرة الخطر، فهذا يعني أن الحرب لم تعد تستهدف الحاضر وحده، بل الماضي أيضاً.
وفي الجنوب اللبناني اليوم، يبدو أن المعركة لم تعد فقط على الأرض… بل على الذاكرة نفسها.

