«صاحب اللحية والغليون».. وداعاً!
«صاحب اللحية والغليون».. وداعاً!
في قصر فخم معزول على جزيرة نائية لا يمكن لأحد أن يصلها، حطّ صاحب الشخصية المسرحية «القاضي لورانس» مع 9 شخصيات مختلفة. هو صاحب الغليون واللحية البيضاء، من منكم لا يذكر «قاضي المشنقة» في مسلسل «10 عبيد زغار»؟ إنه الفنان المخضرم أنطوان ملتقى.
عام 1974، حلّت أجواء الخوف والتشويق على الشاشات اللبنانية، وأرعب «القاضي لورانس» المشاهدين في مسلسل« 10 عبيد زغار»، حيث برع في هذا الدور الممثّل «أنطوان ملتقى»، بعدما كان يحتل مكانة معتبرة في دنيا المسرح ويرأس قسم التمثيل في معهد الفنون الجميلة في الجامعة اللبنانية.
لم يخُض أنطوان ملتقى هذا الدور الذي إشتهر به، قبل إختباره على خشبة المسرح. ففي العام ١٩٧٣ قدّم المسرحيان أنطوان ولطيفة ملتقى مسرحية «عشرة عبيد زغار» على خشبة مسرحمها الاختباري، حيث لاقت المسرحية نجاحاً غير متوقع ، ما أغرى الثنائي ملتقى على تقديمها بنسخة تلفزيونية.
«مزارع صغير» يطلقه إلى عالم المسرح
في قريته وادي شحرور، كان اللقاء الأوّل بين أنطوان ملتقي وخشبة المسرح، عبر دور «مزارع صغير»، عام 1937. وتطوّرت مهاراته مع الزمن حتى أصبح يبتكر المشاهد مع أولاد الحي.
عام 1944، إنتقلت الأسرة من الضيعة إلى مدرسة الحكمة حيث عاش أنطوان صباه.
عشق الممثل المسرح الإغريقي ومسرح شكسبير، وكان حلمه دائمًا أن يرقى بالمسرح اللبناني إلى مستوى المسرح العالمي.
من مقاهي ساحة البرج ولد «ممثل شكسبير في لبنان»
وفي أحد مقاهي ساحة البرج عام 1959، التقى الممثل بالمخرج منير أبو دبس، الذي كان زميلاً له في مدرسة الحكمة. وهناك بدأ عمله المسرحي الأول مع المخرج وكانت «ماكبث» لشكسبير على مسرح اليسوعية.
وكان ملتقى يردّد في أحاديثه عن مدى تأثّره بفيلم «ماكبث»، فإشترى مجموعة أعمال شكسبير، وفي ما بعد بات يعرف بـ«ممثل شكسبير في لبنان»، ورافقته نصوص الكاتب الإنكليزي في معظم أعماله.
ومن أبرز مسرحياته، مسرحية «ضاعت الطاسة»، «سمسم»، «صعود أرنوه آوي»، ومسرحية «كاليغولا» في دير القمر.
شريكة له في المسرح والحياة
شاركت منافسته الأكاديمية ورفيقة دربه لطيفة شمعون في أعماله، إذ عملا معًا على إرساء قواعد وأسس للمسرح الجاد، ولاقت أعمالهما سوياّ تفاعلاً كبيراً من الجمهور. إعتمد أنطوان ولطيفة ملتقى لمسرحهما برنامجين توأمين، مسرح أطفال دائم وآخر للراشدين.
كانت بداية الزوجين مع المخرج منير أبو دبس، واستقّلا لاحقا، ليؤسّسا حلقة المسرح اللبناني، وإنبثق عن هذه الحلقة عام 1967 محترف المسرح الإختباري الذي إستقطب الكثيرين من عشاق المسرح وطلاب التمثيل، وقدّمت فرقته أعمالاً عدة.
عام 1980، أسسا «مسرح مارون النقاش»، على إسم رائد المسرح العربي، وهو معدّ لمختلف إختبارات الفضاء المسرحي. وكان قد تزوّج الممثّلان سنة 9195، وأنجبا طفلهما الوحيد (زاد).
لبنان يفتقر إلى المسرح
في تلك الحقبة، كان لبنان يفتقر إلى معاهد ومحترفات لتدريس مادة المسرح، وفي ذات يوم من العام 1960، وبدعوة منه، إجتمع في منزل ملتقى في عين الرمانة، عدد من المثقفين وقرّروا إطلاق حركة مسرحية مبنية على أسس جديدة تأخذ بعين الإعتبار ما توصّل إليه العالم في ممارسة الفن المسرحي، فولدت «حلقة المسرح اللبناني» التي ضمّت أنطوان ملتقى (رئيسًا)، إدوار أ. البستاني، ناظم جبران، فرانسوا خوري، جوزف بو شاهين، ميشال بصبوص ولطيفة ملتقى.
ومع أنّه لم يكن هناك صالات مجهّزة، ابتدأت الحلقة في الهواء الطلق.
وبرأي ملتقى الشخصي أنّ المسرح، رغم الجهود الكثيرة لإحداث تطور نوعي في وجدان الجمهور اللبناني، لم يستطِع المسرح منع وقوع الحرب 1975، إذ يعتقد أنّه لا بدّ أن يكون للمسرح دور مهم في تغيير الأحداث.
ملتقى في أيامه الأخيرة
بعد مشاركته في مهرجانات عديدة، وتفوّقه في عدّة أعمال، قبع في زاوية من بيته في ضواحي بيروت، يقرأ، يقرأ وفي النفس مرارة وألم كثيف لما آلت اليه أحوال الجمهورية ولإنكسار الأحلام الكبرى.
صحيح أنّ الممثّل نال أوسمة كثيرة، ولكن تبقى الدولة مقصّرة في حقّ كبار الفنانين.
وأحدث أنطوان ملتقى نقلة نوعية في عالم المسرح، الذي لاقى تراجعاً في أيامنا هذه.
وعلّق ملتقى في إحدى مقابلاته الأخيرة عن فكرة «المسرح الوطني»، معتبراً إياه «متلو متل غيرو» مذكّراً أنّ المسرح الوطني يجب أن يتضمّن روح وطنية.
بعيداً عن المسرح
درس درجة البكالوريا، ومن ثم عمل مدرس إبتدائي في وادي شحرور، وبعد تخرجه عمل كأستاذ ثانوي في فرن الشباك.
توفي الممثل اللبناني انطوان يوم أمس الأربعاء، تاركاً وراءه إرثاَ ثقافياً وفنياً يحتذى به. فكما قال الرحابنة يوما: «تاري الأحبة ع غفلة بروحوا وما بيتركوا خبر».

