مئوية ولادة منصور الرحباني.. «فرح الإنسان بولادة الجمال»
مئوية ولادة منصور الرحباني.. «فرح الإنسان بولادة الجمال»
كلمة المؤرخ والباحث الدكتور عصام خليفة في إحتفال مئوية ولادة منصور الرحباني الذي أقيم على هامش المهرجان اللبناني للكتاب - أنطلياس للسنة ٤٢

عاصي ومنصور والياس الرحباني وفيروز عواميد أربعة لعمارة الفن الأكثر بهاء في تاريخنا المعاصر . الثلاثي الأول أنجز خمسة آلاف أغنية، أربعمئة سكتش غنائي، ثلاثة أفلام طويلة، عشرات البرامج والحلقات التلفزيونية والإذاعية، خمساً وعشرين مسرحية، جولات فنية ولوحات وبرامج في مختلف أنحاء العالم، توزيع الأرباع الصوتية التي قيل عملياً أنّها لا توزع، تغيير مسار الشعر، والموسيقى في العالم العربي، تعميم إستعمال الأوركسترا في الشرق كمحتوى درامي. في كل هذا الجهد الرائع ترسيخ لمدرسة رحبانية غزت الشرق قلوباً وتراثاً وذاكرة جماعية.
في ١٧ آذار ١٩٢٥ ولد منصور في البيت العتيق الذي ورثته والدته سعدى عن أبيها تشرّد في منازل البؤس كثيراً.
سكن بيوتاً ليست ببيوت. هذه كانت طفولته هو وإخوته. حكاية فقر وحرمان حتى الوجع المرّ والبكاء الصامت الذي ينتهي دموعاً صافية على أطراف مِخدة ممزّقة فوق فراش عتيق.
بعد غياب العبقري عاصي، استمر العبقري الثاني منصور بانجاز المسرحيات الباهرة ومنها «حكم الرعيان، عودة الفنيق، زنوبيا، أبو الطيب المتنبي، جبران والنبي، ملوك الطوائف، الوصية، وقام في اليوم الثالث، آخر أيام سقراط، آخر يوم» وبخاصة « صيف ٨٤٠». وقبل عرض هذه المسرحيات كان يحرص منصور على دعوتي لمناقشة بعض النصوص. وكان يحرص على سماع رأيي رغم أنّ أكثرها كان خارج إختصاصي. ومن واجبي الشهادة بأنّني وفرت للكبير منصور ما تواجد عندي عن عامية ١٨٤٠ من مصادر ومراجع تاريخية. وكم كنت فخوراً وكم كان شعوري غامراً عند سماع المسرحية الخالدة.
في المدرسة الرحبانية الصراع بين الحق ّ والباطل، غالباً ما يؤدي الى انتصار الحقّ. وهذا المدرسة وقفت دائماً الى جانب التغيير ولكن سلمياً دون «سيوف ولا خيل ولا عسكر».عملت لتوعية الشعب مع مواجهة التجار المحتكرين والسياسيين الفاسدين والظالمين. أكّدت على التّمسك بالديموقراطية الحقيقية، وإعلاء أهمية الفكر طريقاً الى الحقيقة. أكّدت على ضرورة الإندماج في الجماعة لما فيه مصلحة المجتمع والوطن، وأشادت بالتضحية بالمصلحة الخاصة في سبيل المصلحة العامة. وقفت الى جانب المستضعفين في مواجهة القوى الغريبة والسخرة وإذلال الناس. وفي مسرحياته الأخيرة رسّخ منصور القيّم الإنسانية والأخلاقية والفكرية لدى الأفراد.
عرض العبقريان النفسيات المعقدة والمشاكل الإجتماعية المختلفة عند أهل المدينة حاولا إبراز الخدائع والأكاذيب وانعدام العدل. إستشرفا جذور السياسات الفاسدة فأشارا إلى انعدام العدل، والخداع والإضطهاد. فالطغيان والإضطهاد والكذب كلها أمور تعبّر عن الحيل المتكررة التي تستعملها الطبقة الحاكمة لتحكم بها الطبقة المقهورة.
في عيون الأخوين رحباني غالباً ما تضع الحكومة الفاسدة الظالمة مصالحها الجشعة فوق المصالح الوطنية الحقيقية، ويضع أهلها مصالحهم الفردية الإنسانية فوق المصالح الوطنية العامة، ما يؤدي إلى ضياع الهوية الفردية الراقية وهوية الوطن.
هكذا نلاحظ في هذا المسرح، الأصالة والأمانة، والإعتزاز والعنفوان والترّفع والإنضباط والوعي والإنفتاح، والإيمان العفوي بالقرار الذاتي، والعزم والتأمل، والسلام الداخلي، والتحرّر والإستقلالية الذاتية، والتسامح والتفاؤل والتفهّم والتكتم والتوازن العاطفي والتواضع والثقة بالنفس، والتصرّف الحرّ، والجرأة والمبادرة والعطاء.
سقراط يفضل الموت على التخلّي عن قيمه، سيف البحر يستمر مدافعاً عن قيمة الإستقلال التي هي جوهر تحرك العامية.
ومنصور كان حاسماً في انحيازه للقيم الوطنية، وكان منحازاً للعدالة الإجتماعية والروح الوطنية والإنتماء الى الوطن ومناهضة الإستغلال والعبودية والإحتلال. وقد تجلّى ذلك في صورة سيف البحر وأبي سمرا غانم ويوسف الشنتيري وأبي أحمد.
في مئوية ولادة منصور نخشع أمام ذكرى من غنّى لبنان في جباله وسهوله وحقوله وخيراته وشعبه ومدنه وضياعه. غنى الجيش والعلم، وكان صرخة قوية ضدّ الإستبداد والظلم السياسي والإجتماعي مع دعوة صادقة للمحبة والسلام والديموقراطية، من أجل نيل الحقوق واكتساب الكرامة والحرية. في المئوية نحيي المدرسة الفنية التي جمعت بين الكلمة واللحن والأداء ، بين الفن والأناقة، بين القديم والجديد، بين الإستعارة والإستنباط، في لون موسيقي جديد أغنى الموسيقى اللبنانية والعربية في مسرح غنائي راقٍ سعى إلى الفن المتكامل.
في المهرجان اللبناني للكتاب السنة ٤٢ الذي ينعقد في ديرنا التاريخي- دير مار الياس أنطلياس، نحتفل بمرور مئة عام على ولادة العبقري الكبير منصور. ومن أروقة هذا الدير نسمع همسات الرضا من الأب الأنطوني بولس الأشقر الذي كان قد درس الموسيقى في روما وفرنسا، ودرّب منصور وعاصي (بعمر١٥و١٣ سنة) على شرح النظريات الموسيقية. وهو الذي زودهما بالمخزون الموسيقي الكنسي الذي نجده في الألحان ذات الطابع السرياني والبيزنطي التي ظهرت في أعمالهما. وعنه قال منصور:« علّمنا النوطة، والنظريات الموسيقية والألحان الشرقية، علّمنا السهر على الكلمة، علّمنا «إنو قدام بواب الفن منضل تلاميذ، بس أهم شيء تعلمناه من بونا بولس، هو فرح الإنسان بولادة الجمال».
في احتفال المئوية لولادة العبقري منصور، نستذكر مع بلدة أنطلياس وبلديتها التجارب المسرحية الأولى مع فريد أبو فاضل ولويس أبو جودة في مدرسة كمال مكرزل. نستذكر مسرح النادي وعيد الليمون. وربما منها كان غناء الساحات والأعياد والأعراس والمآتم وعين الماء والري والقنديل والحسد والبغض والصيد والمعاول والفراريع والبيادر، في المسرح الرحباني.
ومن أنطلياس وجوارها المتني برزت في المسرح الرحباني صور الفلاح والشحاد والمختار والناطور والسمسار والصياد والأبله والعجوز الثرثارة والبنت التي تغزل صوفاً والقبضاي وبائع الخضار والمكاري ورئيس البلدية واستعملت مصطلحات الحضارة الزراعية: شبوق العفص، وجُب الطيّون والهيشة، ومحقان المي، والمقالع والمشاحر والكروم والمعاصر.
لقد دوّن عاصي ومنصور، في مسرحهما، سجل الطبيعة والريف والإنسان. اجتمع الكلام والموسيقى والصوت الغنائي في عمل واحد. وهكذا أعليا عمارتهما الإبداعية حتى تركا هذا الإرث الهائل من النصوص المتقنة وغير المسبوقة في تاريخ المسرح الغنائي في لبنان والدول العربية.
في مناسبة المئوية لا يزال شعبنا ينوء تحت وطأة البطالة والهجرة والتهجير والإعتداءات المختلفة. لا بل يعاني من سرقة مدخراته من مافيا مركبة بين أهل السياسة والمصارف.
والمدن التاريخية التي غنيتها يا منصور مع عاصي تعرضت وتتعرّض للخراب، وشعوب مشرقنا العربي مهددة بالتفكك أمام أطماع الأقربين والأبعدين.
ولكن نعدك بأن نبقى مدافعين عن المدرسة الرحبانية وأركانها الأربعة.ونستلهم مخزونها الفني والحضاري والقوة والعزم لمواجهة أخطار الحاضر والمستقبل.
من الحركة الثقافية ـ دير مارالياس أنطلياس، وبمناسبة المئوية نجدّد قسم العاميّة، ونؤكد أنّ « الظلم بيوقع مهما طال».
وأنّ جبال الصوان بأبطالها ستهزم كل طامع بأرضنا اللبنانية المقدسة، وأنّ لبنان هو الرقم الصعب ونقطة الدائرة في المسألة الشرقية، ولا سلام في شرق المتوسط على حساب إستقلال وسيادة دولتنا اللبنانية.
في مئوية ولادة العبقري منصور، نحن على يقين أنّ كل الفن الرحباني سيمخر عباب تاريخنا المعاصر والمستقبلي، ملكاً متوجاً على مشاعر أجيالنا على مدى العصور. وأنّ مروان وغدي وأسامة وكل الدوحة الرحبانية المبدعة ستبقى عاملة للفن الأكثر نصاعة في «لبنان الذي كان وصار» «وبدو يبقى» في «وطننا الوعد ووطننا الجوهر».
مطلب أساسي تطرحه حركتنا، في هذه المناسبة، من وزير الثقافة المثقف فعلاً د. غسان سلامة، الإسراع في إنجاز متحف فيروز في زقاق البلاط، واستحداث متحف للفن الرحباني في أنطلياس بالتعاون مع بلديتها.
وأملنا كبير أنّه سيفعل.

