مطار القليعات: بوابة تنموية جديدة للبنان أم وعد جديد يتلاشى؟
مطار القليعات: بوابة تنموية جديدة للبنان أم وعد جديد يتلاشى؟
في شمال لبنان، حيث تعاني منطقة عكار من نقص في البنية التحتية والتنمية، يظل ملف تشغيل مطار الرئيس الشهيد رينيه معوّض - القليعات حجر الزاوية لتحوّل اقتصادي وتنموي قد يغير ملامح المنطقة. ومع تعهدات جديدة من الحكومة اللبنانية، تبقى التساؤلات حول مصير هذا المشروع الحيوي مفتوحة. فهل سيصبح المطار نقطة انطلاق جديدة للاقتصاد اللبناني أم سيظلّ مجرد حلم بعيد المنال؟

مطار القليعات: حلم قد يتحقق؟
مطار القليعات، الذي يقع في شمال لبنان في محافظة عكار، هو أحد المشاريع التي يمكن أن تُحدث نقلة نوعية في مجال النقل الجوي والتجارة. يتمتع المطار بموقع استراتيجي، إذ يبعد 7 كيلومترات عن الحدود اللبنانية-السورية و25 كيلومترًا عن طرابلس. تمّ بناء المطار في منتصف القرن الماضي لأغراض مدنية، ولكنه تحوّل إلى قاعدة عسكرية بعد أن تولى الجيش اللبناني إدارته في عام 1966.
يشمل المطار مدرجًا بطول 3200 متر، مع إمكانية تمديده إلى 3800 متر. وعلى الرغم من أنّ المباني تتطلب إعادة بناء بشكل كلّي، إلا أنّ البنية التحتية الأساسية مثل مدرج الطائرات وخزانات الوقود جاهزة للإستخدام. بالإضافة إلى ذلك، فإنّ المطار يحوي مساحة شاسعة تقدر بحوالي 5.5 مليون متر مربع، ما يعزّز من فرص تطوير المنطقة المحيطة وتحويلها إلى مركز إقتصادي وتجاري.
من ماضٍ معقّد إلى فرص جديدة
منذ إنشاء مطار القليعات، مرت المنطقة بالكثير من العقبات التي حالت دون تشغيله بشكل فعال. خلال الوصاية السورية في لبنان، كان هناك رفض من النظام السوري المخلوع لإقامة مطار ثانٍ في البلاد، وذلك في إطار محاولات لإبقاء مناطق الشمال بعيدة عن دائرة التنموية. وبعد انسحاب القوات السورية من لبنان، كانت التوقعات تشير إلى تحوّل إيجابي في مصير المطار، لكن تلك الآمال اصطدمت بحسابات سياسية داخلية.
«حزب الله»، وبفعل نفوذه القوي في لبنان، كان من المعارضين للمشروع في السنوات السابقة. وعلى الرغم من أنّ الظروف السياسية قد تغيّرت مع وصول حكومة جديدة، فإنّ السؤال يبقى: هل ستتمكن الحكومة من التغلب على هذه العوائق؟
وعد الحكومة الجديدة: هل هذه المرة مختلفة؟
مع الحكومة الجديدة برئاسة نواف سلام، بدأ ملف مطار القليعات يعود إلى الواجهة. فقد تعهدت الحكومة بتنفيذ مشروع إعادة تأهيل المطار وتشغيله، بعدما تمّ إدراجه في بيان «حكومة الإصلاح والإنقاذ». واعتبر أسعد درغام، النائب عن عكار، في حديثه لـ«بيروت تايم» أنّ وجود حكومة لبنانية منتخبة ورئيس للجمهورية يعطي أملًا كبيرًا في أن تتحقق هذه الوعود.
وأضاف درغام أنّ العقبات التي كانت تواجه تشغيل المطار، خاصة في العهد السوري وحزب الله، لم تعُد قائمة الآن، بعد التغييرات التي شهدها لبنان والمنطقة. وأكد أنّ المطار سيحدث حركة إنمائية غير مسبوقة في عكار، وسيكون له دور كبير في تعزيز حركة الاستيراد والتصدير، خاصة أنّ المنطقة تضم سهولًا زراعية واسعة.
حامد زكريا، رئيس لجنة متابعة تشغيل مطار القليعات، أكد لـ«بيروت تايم» أنّ الخطوات الأساسية تتمثل في تشكيل الهيئة الناظمة للطيران المدني وتعيين أعضائها، وهو ما سيشكل المدخل الصحيح لتطوير قطاع الطيران المدني في لبنان. وأضاف أنّ تشغيل المطار ليس فقط ضرورة إقتصادية، بل هو خطوة كبيرة نحو تحسين الوضع التنموي في منطقة عكار والشمال بشكل عام.
فرص اقتصادية هائلة: هل سينقلب الوضع في الشمال
من الناحية الإقتصادية، فإنّ إعادة تشغيل مطار القليعات سيساهم في توفير آلاف فرص العمل لسكان المنطقة. كما سيساهم في تعزيز حركة الشحن الجوي، مما سيفتح أسواقًا جديدة للصادرات اللبنانية، خاصة المنتجات الزراعية من عكار. ويعتبر المطار نقطة ربط هامة لمثلث الشحن العربي الذي يربط لبنان بالدول الخليجية.
إلى جانب ذلك، فإنّ المطار سيخفف الضغط الكبير عن مطار بيروت الدولي، الذي تجاوز طاقته الإستيعابية. ومن المتوقع أن يسهم تشغيل مطار القليعات في تحسين حركة النقل الجوي في لبنان ويخفف من الزحام في العاصمة.
هل ينجح لبنان في إحياء مشروع القليعات؟
من حيث التمويل، أكد محمد شمس الدين، الباحث في الشركة الدولية للمعلومات، أنّ كلفة إعادة تأهيل المطار تعتبر منخفضة مقارنة بالمشروعات الأخرى. وبالنسبة لعملية التمويل، يمكن تنفيذها عبر شراكة بين القطاعين العام والخاص (نظام BOT)، ما يعني أنّ الدولة قد لا تتحمل عبء التمويل بشكل مباشر. ومع وجود مساحة شاسعة حول المطار، فإنّ بناء المنشآت اللازمة لن يتطلب إستثمارات ضخمة.
على الرغم من التحديات السياسية التي يواجهها مشروع مطار القليعات، إلا أنّ الظروف الحالية قد تكون أكثر ملاءمة من أي وقت مضى. فمع وجود الحكومة الحالية ووعود رئيس الحكومة نواف سلام، يبقى السؤال: هل ستنفذ الحكومة وعدها وتعيد الحياة إلى هذا المطار الحيوي؟ الأيام القادمة ستكشف ما إذا كانت هذه المرة ستكون بداية لتغيير إقتصادي وتنموي حقيقي في الشمال، أم أنّه مجرد وعد آخر في سلسلة من الوعود الحكومية التي لم تجِد طريقها إلى التنفيذ.

