بين نار قاسم ومياه رعد، من يقرر اتجاه البوصلة

بين نار قاسم ومياه رعد، من يقرر اتجاه البوصلة

  • ٠٥ شباط ٢٠٢٦
  • خاص بيروت تايم

لم تمر 24 ساعة على كلمة الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم التي رفع فيها سقف المواجهة مع رئيسيّ الجمهورية والحكومة مسجلا اعتراضاً على المسار الذي تسلكه الدولة اللبنانية، حتى حطّ رئيس كتلة الوفاء للمقاومة محمد رعد في القصر الجمهوري متحدثاً عن ضرورة "التفاهم والتعاون" ومتمنياً لرئيس الجمهورية التوفيق في ما يفعله. ويبدو أن الازدواجية التي تصيب مسؤولو الحزب تعبّر عن أزمة داخلية وتطرح علامات استفهام حول اذا كان ما يحصل هو توزيع أدوار منظّم أو نتيجة ضياع كامل في كيفية معالجة الصفعات اللاحقة بالحزب.

ففي حين دعا قاسم الداخل اللبناني الى عدم مساعدة العدو مُتّهماً البعض ضمنياً بالعمالة وعاد الى نغمة عدم الاستسلام والمواجهة بالشهادة، شدّد رعد على ضرورة الحفاظ على مُناخ الوحدة والتماسك بين اللبنانيين بعيداً عن المزايدات والمناكفات، وأكّد على دعمه لتولّي الدولة مسؤولية السيادة. فهل كان يَرُدّ على قاسم أم أنه لم يستمع إليه حتى؟ في قاموس حزب الله، غالباً ما كان ثمة خطاب للجمهور ورفع المعنويات وخطاب آخر يحمل رسائل سياسية موجّه الى السلطة السياسية وكل من يعنيه الأمر. كانت إحدى نقاط قوة نصرالله في قدرته على إيصال الرسالتين في خطاب واحد، خلافاً لورثته العاجزين عن المواءمة بين الأمرين.

وهو ربما ما يفسّر هذا التناقض الفاضح بين "النار" التي أشعلها قاسم في خطابه، وهرولة رعد لاطفائها من على منبر بعبدا.
في الواقع، يدرك حزب الله جيداً أن أولوية الحكومة تتركز على حصر السلاح غير الشرعي وإعادة قرار الحرب والسلم في يدها. وكونه يشكل جزءًا أساسياً فيها، لم تكن هذه الحكومة لتحظى بالثقة وتتمكن من العمل في غياب الثنائي الشيعي أو مقاطعته لها. فرغم كل الاعتراضات الشكلية والمزايدات في خطابات الأمين العام كما النواب، يبصم وزراء الثنائي بالعشرة على كل قرارات مجلس الوزراء ولا تبرز أي اعتراضات منهم داخل الجلسات حتى يخيّل أنهم يتقدمون القوات والكتائب في الموافقة على مشاريع وقرارات وزرائهما.

ولو كان ثمة تهديد جدّي لبيئة المقاومة في تلك القرارات، لكان يفترض بوزراء حزب الله الانسحاب أقله أو المقاطعة، وهو ما لم يحصل.

إنما في إطار تبادل الأدوار نفسه وفي ما يبدو أنه مراعاة لسيكولوجية الجماهير، رفع النائب علي فياض سقف المواجهة مع وزيريّ الخارجية يوسف رجي والعدل عادل نصار خلال جلسة النقاش بالموازنة متهماً إياهما بخنق البيئة الشيعية والتظلل بالقانون وتجاوزه. في المقبل، لم تطلب كتلتا الوفاء للمقاومة والتنمية والتحرير يوماً مساءلة وزير الخارجية في مجلس النواب على ما أسمونه "إراقة دمائهم أمام الاسرائيلي"، كما صوتت الكتلتان مع الموازنة رغم ضآلة المبلغ المرصود لاعادة الاعمار واعتراض نواب الحزب على هذا البند تحديداَ.

ففيما انشغل جمهور حزب الله بتظهير التناقض ما بين موافقة وزراء القوات على الموازنة واعتراض نواب الجمهورية القوية عليها في مجلس النواب، كان الأجدى بهم سؤال ممثليهم عن هذه الازدواجية الفاقعة في الآداء بين وزرائهم ونوابهم... بين موافقة الوزراء على خروج مشروع الموازنة من المجلس بصفر دولارات مرصودة لاعادة الاعمار ثم مسارعة النائب حسن فضل الله في لجنة المال والموازنة النيابية الى لملمة الفضيحة بالمطالبة برصد اعتمادات ولو بسيطة لحفظ ماء الوجه، فلم يتعد المبلغ المرصود نسبة 1.9% من كلفة الاضرار التي لحقت فقط بالمنازل مقارنة بالأكلاف التقديرية الصادرة عن البنك الدولي نفسه. بعد كل ذلك، هل يحاسب جمهور حزب الله من وعدهم وكذب عليهم قبيل المطالبة بمحاسبة الحكومة ورئيسها؟