حرب الإسناد.. الجولة الأخيرة
حرب الإسناد.. الجولة الأخيرة
حين تعجز الدولة عن فرض سيادتها، وتترك أخطر قرار يتعلق بمصير البلاد خارج مؤسساتها، فهي تتحمّل مسؤولية النتائج.
خطاب الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم الأخير لا يمكن التعامل معه كتصعيد كلامي عابر أو كموقف تضامني محسوب. ما قيل يشكّل إعلاناً سياسياً صريحاً بالإنخراط الكامل في معركة إيران وقيادتها، وبالإلتزام المباشر بخيارات المرشد علي خامنئي، بما يتجاوز أي اعتبار لبناني داخلي. في هذه اللحظة، سقط آخر إدعاء بأنّ حزب الله حزب لبناني بقرار وطني مستقل، وتكرّس واقعه كذراع إيرانية تنفّذ أولويات إقليمية ولو على حساب لبنان نفسه.
الأخطر في هذا الإعلان ليس مضمونه الإقليمي بحد ذاته، بل ما يحمله من استعداد واضح للتضحية بلبنان كأرض وشعب واقتصاد في سبيل معركة لا قرار للبنانيين فيها ولا مصلحة لهم بتحمّل كلفتها. حين يصبح البلد مجرد ساحة، وتُختزل الدولة إلى تفصيل، فهذا يعني أنّ الحرب المقبلة لن تكون دفاعاً عن لبنان، بل إستكمالاً لوظيفة إقليمية لا تعترف بحدود ولا بسيادة.
ومع ذلك، فإنّ الغضب اللبناني لا يجب أن يتحوّل إلى كراهية عمياء تجاه جمهور حزب الله أو بيئته. المشكلة الحقيقية ليست في الناس، بل في الدولة التي تخلّت عن دورها. لأكثر من عام، تواصل الحكومة سياسة التأجيل والمراوغة في ملف السلاح وقرار الحرب والسلم، وكأنّ الزمن يعمل لصالح لبنان. هذا التقاعس لم يكن حياداً، بل شراكة غير مباشرة في دفع البلد نحو الهاوية.
حين تعجز الدولة عن فرض سيادتها، وتترك أخطر قرار يتعلق بمصير البلاد خارج مؤسساتها، فهي تتحمّل مسؤولية النتائج. اليوم، قرار الحرب والسلم ليس في يد الحكومة اللبنانية، ولا في يد مجلس الوزراء، ولا حتى في يد رئيس الجمهورية، بل في يد تنظيم عسكري مرتبط عضوياً بمشروع خارجي. هذا الواقع لم يعد خافياً، والخطاب الأخير جعله معلناً وواضحاً بلا مواربة.
لبنان يدخل مرحلة شديدة الخطورة. إسرائيل، التي تبحث منذ عام عن ذريعة كبرى لتوسيع المواجهة، وجدت في هذا الإعلان ما تحتاجه تماماً. لم تعد المسألة تقديراً استخبارياً أو قراءة نوايا، بل موقفاً سياسياً معلناً يربط الساحة اللبنانية مباشرة بالمواجهة مع إيران. هكذا، تُفتح أبواب حرب مدمّرة جديدة، لا قدرة للبنان على تحمّلها، ولا أفق لنهايتها.
في الخلاصة، ما نشهده اليوم ليس تصعيداً محدوداً، بل الجولة الأخيرة من حرب الإسناد، حيث يُزَجّ بلبنان في معركة أكبر منه، ومن دون أي غطاء وطني أو قرار شرعي. المسؤولية هنا مزدوجة: تنظيم يعلن صراحة أنّه ينفّذ قراراً خارجياً، ودولة غائبة تكتفي بالمشاهدة. وبين هذا وذاك، يُدفع اللبنانيون مرة جديدة ثمن حرب لم يختاروها، وقد تكون الأكثر تدميراً في تاريخهم الحديث.

