إيران «سيدة العالم».. ماذا يقول نعيم قاسم فعلاً؟
إيران «سيدة العالم».. ماذا يقول نعيم قاسم فعلاً؟
لا يبدو خطاب نعيم قاسم دفاعاً عن إيران بقدر ما هو إعتراف ضمني بأنّ الحزب لم يعد قادراً على تقديم نفسه كمشروع لبناني. وحين يغيب المشروع الوطني، يحضر التعويض الأيديولوجي. وحين يضعف الواقع، تُضخَّم الأسطورة.
لم يكن الخطاب الأخير لأمين عام لـ «حزب الله» نعيم قاسم مجرد موقف سياسي عابر، بل كان إستعراضاً مكثفاً لوهم متكامل، يُراد له أن يُقدَّم كحقيقة كونية: «إيران هي سيدة العالم وقادرة على هزيمة أميركا وإسرائيل». تحدث الرجل بجمل ثقيلة، من النوع الذي لا يُقال لتفسير الواقع، بل لطمسه، ولا تُلقى لتحليل موازين القوى، بل لبناء أسطورة يُطلب من الجمهور تصديقها بلا نقاش.
في لحظة إقليمية شديدة الحساسية، حيث تحتشد القوات الأميركية في محيط إيران، وتبدأ في الوقت نفسه مفاوضات بين الطرفين، يأتي هذا الخطاب ليقفز فوق الوقائع، ويتجاهل كل ما تقوله السياسة والعقل والتاريخ. فالدول التي «تهزم أميركا» لا تفاوضها من موقع القلق، ولا تدخل غرف التفاوض بحثاً عن تخفيف العقوبات أو تجنّب الحرب. و«سيدة العالم» لا يكون اقتصادها محاصراً، وعملتها منهكة، ونفوذها الإقليمي قائماً على شبكات عسكرية غير نظامية أكثر مما هو قائم على نموذج جذب أو قوة ناعمة.
اللافت في كلام قاسم ليس فقط المبالغة الفجة، بل الحاجة المستمرة إلى تحويل إيران إلى كيان أسطوري، أكبر من دولة، وأعلى من النقد، وأبعد من المحاسبة. هنا لا نكون أمام قراءة سياسية، بل أمام خطاب تعبوي يهدف إلى تثبيت الولاء لا إلى إقناع العقل. إيران في هذا الخطاب ليست دولة لها مصالح وحسابات وحدود قوة وضعف، بل «قدر تاريخي» و «قوة مطلقة» و«محور لا يُهزم». وكل من يشكك، يُتّهم ضمناً بالخيانة أو بالوقوف في «الضفة الأخرى من التاريخ».
لكن المشكلة الأعمق لا تكمن في توصيف إيران، بل في موقع المتكلم نفسه. حين يخرج أمين عام حزب لبناني ليُدافع عن دولة أخرى بهذه اللغة، ويعلن صراحة أنّ حزبه سيتدخل في أي حرب تُشن ضدها، فنحن لم نعد أمام موقف تضامني أو تحالف سياسي، بل أمام إعلان ولاء مطلق يتجاوز الدولة اللبنانية ويقفز فوق مفهوم السيادة نفسه. كما يتضح، دون مواربة، أنّ فكرة «لبننة حزب الله» هي محض هراء، وكل محاولة في هذا الإطار مضيعة للوقت والجهد والأمل.
لبنان، في هذا المنطق، ليس إلا ساحة. شعبه تفصيل، دولته عبء، ومصالحه مؤجلة دائماً لصالح «المعركة الكبرى». حين يقول نعيم قاسم إنّ الحزب سيتدخل دفاعاً عن إيران، فهو لا يتحدث بإسم اللبنانيين، ولا يستأذنهم، ولا يعبأ بثمن سيدفعونه هم وحدهم. إنّها معادلة معروفة، القرار يُتخذ في مكان، والدم يُسفك في مكان آخر.
والمفارقة أنّ الخطاب الذي يزعم القوة المطلقة، يكشف في جوهره عن خوف عميق. فالإفراط في التبشير بالإنتصار غالباً ما يكون علامة قلق، لا علامة ثقة. هذا درس تعلّمه الحزب وغيره من أحداث السنوات القليلة الماضية. من يشعر بأنّه «سيد العالم» لا يحتاج إلى تكرار ذلك على الشاشات، ولا إلى رفع الصوت، ولا إلى التهديد المسبق بالحرب. القوة الحقيقية صامتة، محسوبة، دقيقة. أما القوة المتخيلة فتحتاج دائماً إلى خطاب صاخب يملأ الفراغ ويعوّض عن الضعف.
إنّ تصوير إيران كقوة قادرة على هزيمة أميركا وإسرائيل معاً ليس تحليلاً، بل دعاية. دعاية تخدم وظيفة واحدة، وهي إبقاء جمهور «المحور» في حالة تعبئة دائمة، وإقناعه بأنّ كل التضحيات مبررة لأنّ «النصر حتمي». لكن هذا النصر، مثل غيره من الوعود الكبيرة، يبقى مؤجلاً دائماً، فيما الخسائر حاضرة وفورية.
في النهاية، لا يبدو خطاب نعيم قاسم دفاعاً عن إيران بقدر ما هو إعتراف ضمني بأنّ الحزب لم يعد قادراً على تقديم نفسه كمشروع لبناني بتاتاً. وحين يغيب المشروع الوطني، يحضر التعويض الأيديولوجي. وحين يضعف الواقع، تُضخَّم الأسطورة. لكن لا الأسطورة تُنقذ إقتصاداً، ولا الخطابات تُبني دولة، ولا الولاءات العابرة للحدود تصنع وطناً.
قد تغيّر الأحزاب والمنظمات لغتها، وقد ترفع سقوفها الخطابية إلى حدود السماء، لكن الواقع، في النهاية، لا يعترف إلا بما هو موجود فعلاً. وإيران، مهما قيل عنها، ليست «سيدة العالم». ولبنان، مهما أُهمل، لن يكون إبن تلك السيدة. المشكلة أنّ هناك من يصر على إنكار الأمرين معاً، ويدفع الثمن دائماً من جيب بلد لم يعد يحتمل المزيد من الأوهام والمغامرات.

