جيل زيد: أذكى أم أغبى؟
جيل زيد: أذكى أم أغبى؟
هناك مؤشرات مقلقة تتعلق بالتركيز والقراءة والتعلّم العميق، لكن في المقابل هناك مهارات جديدة لا تقل أهمية، لم نتعلّم بعد كيف نقيسها.
«جيل Z هو أغبى جيل في العصر الحديث».
عبارة صادمة، مستفزّة، وربما ظالمة، لكنها لم تولد في ساحات السخرية على وسائل التواصل الإجتماعي، بل خرجت من قلب النقاش العلمي والأكاديمي، ووصلت إلى قاعات الكونغرس الأميركي. للمرّة الأولى منذ أواخر القرن التاسع عشر، تشير بيانات ودراسات إلى احتمال أن يكون جيل كامل المولود بين أواخر التسعينيات وبداية العقد الثاني من الألفية قد سجّل تراجعًا في بعض القدرات المعرفية مقارنة بالجيل الذي سبقه.
هذا الادعاء أعاد فتح ملف ظلّ مغلقًا لعقود: هل الذكاء البشري يسير دائمًا في خط تصاعدي؟ أم أنّ التحولات التكنولوجية والبيئية قادرة على كسر هذا المسار؟
كسر «تأثير فلين»
منذ منتصف القرن العشرين، اعتمد علماء النفس على ما يُعرف بـ«تأثير فلين»، وهي ظاهرة تشير إلى ارتفاع متوسط درجات اختبارات الذكاء من جيل إلى آخر، نتيجة تحسّن التعليم، التغذية، والبيئة المعرفية. لكن في السنوات الأخيرة، بدأت مؤشرات معاكسة بالظهور، خصوصًا في عدد من الدول المتقدمة.
عالم الأعصاب والمربّي الأميركي الدكتور جاريد كوني هورفاث قدّم شهادة رسمية أمام لجنة التجارة والعلوم والنقل في مجلس الشيوخ الأميركي، قال فيها إنّ نتائج الاختبارات المعيارية تُظهر تراجعًا في قدرات أساسية لدى جيل Z، تشمل الانتباه، الذاكرة، القراءة، الحساب، الوظائف التنفيذية، وحتى معدلات الذكاء العام. واعتبر أنّ هذا الجيل هو الأول في العصر الحديث الذي لم يتفوّق أكاديميًا على الجيل السابق له.
الأمر اللافت في هذه الشهادات ليس فقط الأرقام، بل شمولية التراجع، إذ لا يقتصر على مادة دراسية واحدة أو مهارة محددة، بل يمتد إلى مجموعة من الوظائف المعرفية التي تُعدّ أساس التعلّم التقليدي.
التكنولوجيا في قفص الاتهام
التفسير الأكثر تداولًا لهذا التراجع يتمحور حول البيئة الرقمية. جيل Z هو أوّل جيل ينشأ بالكامل في عالم تهيمن عليه الشاشات، هواتف ذكية، أجهزة لوحية، تعليم رقمي، محتوى قصير، وذكاء اصطناعي يقدّم إجابات فورية.
وفق هورفاث وعدد من الباحثين، يمضي المراهقون اليوم أكثر من نصف وقت يقظتهم أمام الشاشات. المشكلة، بحسب هذا الطرح، لا تكمن في التكنولوجيا بحد ذاتها، بل في الطريقة التي استُخدمت فيها داخل الصفوف وخارجها. فالتعلّم، بيولوجيًا، يحتاج إلى قراءة عميقة، تركيز طويل، وتفاعل إنساني مباشر، وهي عناصر تتراجع أمام ثقافة التمرير السريع والملخّصات الجاهزة.
دراسات عن القراءة تؤكد هذا القلق. معدلات القراءة اليومية انخفضت بشكل ملحوظ، وتراجعت معها الطلاقة القرائية، وهي مهارة أساسية لفهم النصوص في مختلف المواد. وخلال جائحة كورونا، ظهر الأثر بوضوح، إذ تخلّف طلاب المراحل الأولى عن المستويات المتوقعة في القراءة والفهم، خصوصًا في البيئات الأكثر هشاشة اجتماعيًا.
هل يعني ذلك أنّ جيل Z أقل ذكاء؟
هنا يبدأ الوجه الآخر من النقاش. عدد متزايد من الباحثين يرفض وصف هذا الجيل بـ«الأغبى»، معتبرين أنّ هذا التوصيف إختزالي ومضلّل. فالذكاء، بحسب العلم الحديث، ليس رقمًا واحدًا في اختبار IQ، ولا يُختصر بالتحصيل المدرسي التقليدي.
علم النفس المعرفي يميّز بين أنواع مختلفة من الذكاء، أبرزها الذكاء السائل، المرتبط بالتركيز وحل المشكلات الجديدة، والذكاء المتبلور، المرتبط بالمعرفة المكتسبة واستخدام الأدوات. وتشير بعض الدراسات إلى أنّ التراجع الملحوظ يطال الذكاء السائل وهو القدرة على التفكير المنطقي وحل المشكلات الجديدة بسرعة، بدون الاعتماد على المعرفة السابقة.، بينما يُظهر جيل Z تفوقًا نسبيًا في الذكاء المتبلور وهوالمعرفة والمهارات التي اكتسبتها من التعلم والخبرة والثقافة والتعليم والمهارات الرقمية.
بمعنى آخر، لا يمكن القول إنّ هذا الجيل أقل ذكاءً بالمطلق، بل إنّه أقل تدريبًا على نوع معيّن من التفكير، وأكثر تمرّسًا بنوع آخر يتناسب مع بيئته الرقمية.
تحوّل في طبيعة الذكاء لا في مستواه
أنصار هذا الرأي يرون أنّ ما نشهده ليس تدهورًا معرفيًا، بل تحوّلًا في طريقة معالجة المعلومات. جيل Z أسرع في الوصول إلى المعلومة، أكثر قدرة على التعامل مع أنظمة معقدة ومتغيرة، وأكثر إندماجًا مع التكنولوجيا. لكن هذه الميزات لا تُقاس بسهولة بالأدوات التقليدية التي صُممت لعالم سابق.
المشكلة، إذًا، قد لا تكون في الجيل نفسه، بل في أنظمة التعليم والتقييم التي ما زالت تقيس ذكاء القرن الحادي والعشرين بأدوات القرن العشرين.
بين الذعر الأخلاقي والحقيقة العلمية
التاريخ يعلّمنا أنّ كل جيل جديد واجه اتهامات مشابهة: أقل صبرًا، أقل التزامًا، وأضعف من الجيل السابق. لكن الجديد في حالة جيل Z هو وجود بيانات رقمية حقيقية تغذّي هذا القلق، ما يجعل النقاش أكثر جدية وأقل عاطفية.
مع ذلك، يحذّر باحثون من الوقوع في «الذعر الأخلاقي»، أي تضخيم ظاهرة معقّدة وتحويلها إلى حكم نهائي على جيل كامل، من دون الأخذ بعين الاعتبار السياق الإجتماعي، الإقتصادي، والتكنولوجي.
السؤال الأهم
هل جيل Z «أغبى»؟
الأدلة لا تسمح بإجابة قاطعة. نعم، هناك مؤشرات مقلقة تتعلق بالتركيز والقراءة والتعلّم العميق، لكن في المقابل هناك مهارات جديدة لا تقل أهمية، لم نتعلّم بعد كيف نقيسها.
السؤال الحقيقي ليس عن ذكاء جيل، بل عن نوع الذكاء الذي نريد تنميته، والأدوات التي نستخدمها لقياسه. وفي عالم يتغير بهذه السرعة، قد يكون التحدي الأكبر ليس في الأجيال الجديدة، بل في قدرتنا نحن على فهمها.
المراجع:
https://www.dailymail.co.uk/sciencetech/article-15520263/Gen-Z-intelligent-
https://hbr.org/2026/01/how-gen-z-uses-gen-ai-and-why-it-worries-them
https://www.researchgate.net/publication/381991459_Cognitive_Shifts_Exploring_the_Impact_of_AI_on_Generation_Z_and_Millennials
https://www.instagram.com/reel/DUl0sJrjDGV/?utm_source=ig_web_copy_link&igsh=MzRlODBiNWFlZA==

