لبنان يفاوض… من موقع الناجي
لبنان يفاوض… من موقع الناجي
التفاوض هنا ليس ترفاً، ولا تنازلاً مجانياً، بل إعادة ترتيب ما تبقى قبل أن يُستكمل الانهيار. كلفة الرفض المطلق للتواصل مع إسرائيل قد تكون أعلى بكثير من كلفة الجلوس إلى الطاولة..
أن يذهب لبنان إلى التفاوض المباشر مع إسرائيل، فهذا ليس تفصيلاً سياسياً عابراً، بل انعطافة كثيرة الأهمية، تُختبر فيها النيات بقدر ما تُختبر النتائج.
ليس في المشهد ما يوحي بانتصار صاخب، ولا ما يشبه الهزيمة المعلنة. لا أعلام مرفوعة على أطلال الخصم، ولا بيانات انكسار. ما هناك شيء ثالث… أكثر واقعية وأقل ادعاء: بلد يفاوض من موقع الناجي. من موقع من رأى حافة الهاوية، وقرّر، في لحظة نادرة، أن يتراجع خطوة إلى الوراء قبل السقوط.
في هذا السياق، يبرز إسم رئيس الحكومة نواف سلام، لا كشخصية عابرة في لحظة تفاوض، بل كعنوان لنهج مختلف. الرجل لم يأتِ بشعارات كبيرة، ولم يرفع سقوفاً شعبوية. فعل ما هو أصعب: اشتغل على منع الأسوأ. جنب مطار بيروت الدولي ضربة إسرائيلية كانت قاب قوسين أو أدنى، وحال دون استهداف معبر المصنع مع سوريا، في لحظة كان فيها كل شيء مفتوحاً على احتمالات الإنفجار. هذه ليست تفاصيل تقنية، بل قرارات تُقاس بميزان الأرواح التي لم تُزهق، والبنى التي لم تُدمّر.
اليوم، يحاول أن يذهب أبعد من ذلك. أن يفتح باباً قد لا يكون مثالياً، لكنه أقل كلفة من استمرار النزيف. التفاوض هنا ليس ترفاً، ولا تنازلاً مجانياً، بل محاولة لشراء الوقت، ولإعادة ترتيب ما تبقى قبل أن يُستكمل الانهيار. ومن يقرأ المشهد ببرودة أعصاب، يدرك أنّ البدائل ليست كثيرة، وأنّ كلفة الرفض المطلق للتواصل مع إسرائيل قد تكون أعلى بكثير من كلفة الجلوس إلى الطاولة.
في المقابل، يرتفع منسوب التشكيك. تُرمى الاتهامات بسهولة، وتُستحضر مفردات التخوين كأنّها ردّ بديهي على أي خيار مختلف. لكن، في لحظة كهذه، يصبح التشكيك بوطنية نواف سلام جريمة بحقّ المنطق قبل أن يكون جريمة بحق الرجل. لأنّ الوطنية لا تُقاس بالصراخ والشعارات الخشبية والشعبوية، بل بالقدرة على حماية ما يمكن حمايته.
ما يقوم به اليوم، في جوهره، محاولة لتجنيب لبنان المزيد من الخراب والدمار والدماء. ليس فقط حماية للمؤسسات، بل أيضاً محاولة لاحتواء ما تبقى من حزب الله، وإبعاده، قدر الإمكان، عن ضربات إسرائيلية قد لا تميّز بين هدف وآخر إذا ما انفلتت الأمور. هنا، يتحول التفاوض إلى أداة تخفيف أضرار، لا إلى منصة تسجيل نقاط.
وهكذا، يتبدل المشهد بليلة وضحاها. لم يعد السؤال: هل نفاوض أم لا؟ بل: كيف نمنع ما تبقّى من الانهيار؟ وكيف نحمي ما تبقى من البلد؟ بين خيار الحرب المفتوحة وخيار التفاوض، لا يوجد ترف الحياد. هناك فقط حساب قاسٍ بين خسائر مؤكدة وخسائر محتملة.
لبنان، هذه المرّة، لا يفاوض ليكسب معركة، بل ليمنع خسارة ما تبقى من الحرب. لا يدخل من باب القوة، ولا من باب الضعف، بل من باب الضرورة. وهذه، في حد ذاتها، شجاعة مختلفة. شجاعة الاعتراف بأنّ الزمن تغيّر، وأنّ ما كان ممكناً بالأمس، لم يعد كذلك اليوم.
وفي بلد اعتاد على المزايدات، يصبح هذا النوع من القرارات فعلاً نادراً. قرار لا يبحث عن تصفيق، بل عن نتيجة. لا يراهن على العاطفة، بل على تقليل الأذى. وربما، في هذا تحديداً، تكمن قيمته. لأنّ ما يُمنع، أحياناً، أهم بكثير مما يُنجز. وما يُجنَّب من كوارث، هو الإنجاز الحقيقي الذي لا يُرى… لكنه يُنقذ بلداً بأكمله من السقوط.

