نفهم شيعة لبنان.. ونريدهم أن يفهمونا

نفهم شيعة لبنان.. ونريدهم أن يفهمونا

  • ١٥ نيسان ٢٠٢٦
  • جو حمّورة

نفهم الشيعة. نفهم تاريخهم، جراحهم، وخوفهم من التكرار. لكن نريدهم أيضاً أن يفهموا أنّنا لا نحمل هذا التاريخ كما يحملونه، ولا نبني خياراتنا عليه. أنّنا نريد دولة فقط دولة تعيش في هذا الزمن، لا في ظلال قرون مضت.

ليس التاريخ الشيعي مجرد منظومة إيمانية فحسب، بل هو في جوهره تاريخ جرح مفتوح. يبدأ من لحظة مفصلية في الوعي الإسلامي المبكر، أي في اليوم التالي من وفاة نبي الإسلام، وما أعقبه من جدل سياسي حول السلطة والإمامة، ثم يتكثف هذا الجرح في روايات المظلومية المبكرة، التي تُختصر في الذاكرة الشيعية بحادثة وفاة فاطمة الزهراء، وما يرويه الشيعة عن فقدان جنينها المحسن، بما تحمله هذه الرواية من رمزية الخسارة الأولى، خسارة القرب من السلطة، وخسارة العدالة كما تتشكل في المخيال التاريخي الشيعي.

ثم يأتي مقتل علي بن أبي طالب، لا بوصفه حادثة اغتيال فحسب، بل كضربة قاسمة لفكرة «الإمام العادل» الذي لم يُمهَل ليُكمل مشروعه. بعده تتوالى المحطات المفصلية. الحسن بن علي، الذي انتهى مساره، بحسب الرواية الشيعية، بالسم، والحسين بن علي، الذي تحوّل مقتله في كربلاء إلى أيقونة مركزية للألم والبطولة معاً، وإلى لحظة تأسيس لهوية دينية - سياسية قائمة على التضحية والدم.

لم تكن كربلاء نهاية السلسلة، بل بدايتها الرمزية. تتوالى أسماء كثيرة من أهل البيت لكأنّهم يدخلون التاريخ من باب واحد، باب المظلومية. علي بن الحسين (زين العابدين) نجا من المجزرة، لكنه عاش حياته حاملاً ذاكرتها، شاهداً على الكارثة أكثر من كونه فاعلاً سياسياً حقيقياً. محمد الباقر عاش في زمن تضييق سياسي قاسٍ. أما جعفر الصادق، الذي أسس لمدرسة علمية وفقهية كبرى، فتقول المصادر الشيعية أنّه مات مسموماً في عهد العباسيين.

ثم يأتي موسى الكاظم، الذي قضى سنوات طويلة في سجون العباسيين، لتبقى سيرته شاهدة على العلاقة المتوترة بين السلطة المركزية وأئمة أهل البيت. ويتكرر المشهد مع علي الرضا، ومحمد الجواد، وعلي الهادي، والحسن العسكري، بين تضييق ومراقبة وموت مبكر. وتنتهي السلسلة عند محمد المهدي، الذي لا يُروى مقتله، بل غيابه، وكأنّ السردية التاريخية وصلت إلى نقطة لم تعد تحتمل مزيداً من الموت، فاستبدلته بفكرة الانتظار.

وإذا خرجنا قليلاً من خط الأئمة، نجد النمط ذاته داخل البيت العلوي. من زينب الأسيرة المقادة إلى دمشق، مروراً بزيد بن علي الذي خرج ثائراً ضد الخليفة الأموي، وانتهى صريعاً في الكوفة، إلى ابنه، يحيى، الذي ورث الثورة وورّث نهايتها. حتى أحفاد الحسن بن علي، محمد النفس الزكية وإبراهيم، واجهوا المصير نفسه.

ليست القضية في تفاصيل كل نهاية، بل في تكرارها. في هذا الإحساس الشيعي المتراكم بأنّ التاريخ كان يُغلق أبوابه في وجههم، مرة بعد مرة. هذه ليست مجرد وقائع، بل بنية نفسية جماعية، وذاكرة تقول لأصحابها أنّكم خُذلتم دائماً، وأنّ الحق كان معكم لكن القوة لم تكن.

مما لا ريب فيه أنّ جزءاً كبيراً من الشيعة في لبنان لا يرون أنفسهم كمواطنين في دولة لبنان، بقدر ما يرون أنفسهم مجرد شيعة يحملون هذه الذاكرة القاسية، ويحددون هويتهم الجماعية كامتداد لهذا التاريخ المثقل بالخسارات. في المقابل، هناك لبنانيون آخرون لا يعيشون هذه الذاكرة، ولا يبنون وعيهم عليها. لا لأنّهم ينكرونها، بل لأنّهم، ببساطة، لا يعرفونها، وحتى إن عرفوها فليست ما يحدد أولوياتهم بأي حال من الأحوال.

بقيتنا يريدون دولة. لا أكثر ولا أقل. دولة لا تُدار بالذاكرة، بل بالقانون. دولة لا تُحكم بسرديات الدم، بل بمؤسسات الحاضر. دولة تحتكر السلاح والقوة، وتبسط سيادتها على كامل أرضها، وتساوي بين مواطنيها. الفرق كبير من يريد الثأر للماضي باسم الدين والتاريخ، أكان خوفاً أو قوة أو استذكاراً للماضي، وبين من يريد التفكير بالمستقبل وبناء دولة حقيقية على النمط الحديث.

حين نطالب بدولة قوية، فنحن لا نهاجم تاريخ الشيعة، ولا نستخف بتضحياتهم، بل نقول، ببساطة، إنّ هذا الإرث، بكل ما فيه، لا يمكن أن يكون هو الدستور غير المكتوب لدولة حديثة. وفي المقابل، حين يتمسك الشيعة بخياراتهم، نفهم أنّهم لا يفعلون ذلك فقط كقرار سياسي، بل كاستجابة عميقة لذاكرة تقول إنّ تسليم النفس سيترك أصحابه وحيدين مظلومين مرة أخرى.

بين هذين المنطقين، يقف لبنان. بلد «ميكروسكوبيّ» في الحجم، ولكنه مثقل بذكريات وندوب تاريخية كبيرة. بلد يريد معظم أبناءه أن يعيشوا في الحاضر، لكنه مسكون بالماضي ومخاوفه وجراحه. لذلك، فإنّنا نفهم الشيعة. نفهم تاريخهم، جراحهم، وخوفهم من التكرار. لكن نريدهم أيضاً أن يفهموا أنّنا لا نحمل هذا التاريخ كما يحملونه، ولا نبني خياراتنا عليه. أنّنا نريد دولة فقط... دولة تعيش في هذا الزمن، لا في ظلال قرون مضت.

عندما يأتي الأمر إلى التفاوض مع إسرائيل، أو إلى مسألة تسليم سلاح حزب الله، فالمعضلة ليست، في الواقع، في من هو على حق ومن هو على ضلال، بل في أن كل طرف يتحرك داخل زمن مختلف، وينظر في اتجاه مختلف، بعضنا إلى المستقبل وغيرنا إلى الماضي.