برّي في عامه الـ٨٨.. آخر حراس الطائفة

برّي في عامه الـ٨٨.. آخر حراس الطائفة

  • ٠٨ أيار ٢٠٢٦
  • جو حمّورة

يقف برّي كآخر حراس المرحلة القديمة، يراقب بحذر كيف يمكن لمجد بُني بصبر طويل أن يُهدر بسرعة، وكيف يمكن لطائفة دخلت التاريخ من باب الدولة، أن تغادره من باب السلاح.

في الرابع من أيار ١٩٣٨، وُلد نبيه برّي. لم يكن ذلك التاريخ، يومها، أكثر من ولادة عادية في زمن كانت فيه الطائفة الشيعية تعيش على هامش الكيان اللبناني، خارج حسابات السلطة، وبعيدة عن مراكز القرار. لم يكن للشيعة ما يكفي من رجال الدين حتى، كما يروي وضاح شرارة في كتابه «دولة حزب الله»، ولم تكن لهم مؤسسة رسمية تعترف بوجودهم السياسي داخل النظام، إلى أن أتى أواخر الستينيات، حيث تأسس «المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى»، كخطوة أولى على طريق الاعتراف.

قبل ذلك، كان الشيعي في لبنان أشبه بمقيم في دولة لا تراه. إبن الأطراف، لا إبن العاصمة. يعيش في ظل نظام يعترف بالطوائف، لكنه لا يعترف به. لا تمثيل فعلي، لا حضور في الإدارة، ولا قدرة على التأثير في القرار. كانت الطائفة، بكل بساطة، خارج اللعبة.

مع الإمام موسى الصدر، بدأت الحكاية تأخذ منحى آخر. من الحرمان إلى المطالبة، من الغياب إلى السعي نحو الحضور. لكن التحوّل الأكبر لم يكتمل إلا مع نبيه برّي، الذي لم يكتفِ برفع الصوت، بل أدخل الطائفة إلى قلب النظام نفسه. لم يعد الشيعة يطالبون من الخارج، بل صاروا يقرّرون من الداخل. لم يعودوا هامشاً، بل أصبحوا ركناً. من مجلس النواب إلى الإدارات، من التسويات الكبرى إلى التفاصيل اليومية، صار لهم موقع لا يمكن تجاوزه. من هنا تحديداً، تبدأ قصة برّي الحقيقية، حتى وإن كانت له قصص أخرى زمن الحرب الأهلية.

لم يكن مجرد رئيس مجلس، بل كان مهندس تثبيت الطائفة داخل الدولة. أخذها من زمن الشكوى إلى زمن الشراكة، من موقع المطالبة إلى موقع الفرض. لم يكن صعوداً صاخباً، بل تراكمياً، هادئاً، يشبه عمل من يعرف أنّ السلطة لا تُنتزع دفعة واحدة، بل تُبنى حجراً فوق حجر. ٣٤ عاماً في رئاسة المجلس لم تكن صدفة، بل كانت ترجمة لمسار طويل جعل من الشيعة جزءاً لا يتجزأ من بنية النظام اللبناني.

لكن، كما في كل قصة لبنانية، لا يكتمل الصعود من دون مفارقة. اليوم، في عيده الثامن والثمانين، يقف برّي أمام مشهد معكوس. الطائفة التي أدخلها إلى قلب الدولة، تكاد تخرج منها من جديد، لا بفعل الإقصاء هذه المرة، بل بفعل الخيارات. لم يعد التهديد هو الحرمان، بل فقدان ما تحقق.

هنا يدخل «حزب الله» إلى المشهد، لا كامتداد لما بناه برّي، بل كمسار موازٍ يناقضه. فبينما كان برّي يعمل على تثبيت الشيعة داخل مؤسسات الدولة، اختار الحزب أن يمدهم خارجها. وبينما كان الأول يراكم نفوذاً ضمن قواعد النظام، بنى الثاني قوته خارج هذه القواعد. النتيجة لم تعد تكاملاً، بل تناقضاً.

لقد حصل الشيعة في لبنان على ما لم يحصلوا عليه في تاريخهم في معظم الدول العربية: اعتراف، تمثيل، شراكة في القرار. لكن المفارقة أنّ قسماً كبيراً منهم لم يترجم هذا الإنجاز انتماءً كاملاً إلى الدولة، بل انزلق نحو انتماء عابر للحدود، حيث أصبحت طهران مرجعية موازية، وحيث يتقدم السلاح على الدستور، والقرار الخارجي على المصلحة الوطنية.

هذه علة العلل. فالنظام اللبناني، بكل علاته، يقوم على توازن دقيق: شراكة مقابل التزام، تمثيل مقابل خضوع للقواعد. لا يمكن لطائفة أن تبقى في صلب السلطة، فيما هي تحتفظ بسلاح خارجها، وبقرار يتجاوزها. لا يمكن أن تكون شريكاً في الدولة وخصماً لها في آن واحد. هذه المعادلة، التي فهمها برّي جيداً، تبدو اليوم مهددة بالانهيار.

من هنا، يبدو الرجل، في عامه الثامن والثمانين، كمن يقف على حافة أفول هادئ. ليس أفولاً شخصياً فحسب، بل أفول مرحلة كاملة. همه لم يعد توسيع النفوذ، بل الحفاظ على ما تحقق. لم يعد يسعى إلى مكاسب جديدة، بل إلى منع خسارة القديمة. يعرف أنّ ما بُني خلال عقود يمكن أن يُهدم في سنوات قليلة، إذا استمر المسار الحالي.

في المقابل، يبدو أنّ من يفرّط بهذه المكتسبات ليس خصوم الطائفة، بل بعض أبنائها. فحين يتحول السلاح إلى بديل عن الدولة، وحين يصبح القرار خارجها، لا تعود الشراكة ممكنة، بل تصبح موضع شك. وعندها، لا يكون السؤال كيف يحافظ الشيعة على موقعهم، بل ما إذا كانوا سيحتفظون به أصلاً.

٨٨ عاماً على ولادة نبيه برّي، و٣٤ عاماً على تثبيته في رئاسة المجلس، تكفي لرسم مسار طائفة كاملة: من الغياب إلى الحضور، من التهميش إلى السيطرة. لكن المسار نفسه يقف اليوم أمام مفترق حاد، إما الاستمرار في الدولة، أو الانفصال عنها. وبين هذين الخيارين، يقف برّي كآخر حراس المرحلة القديمة، يراقب بحذر كيف يمكن لمجد بُني بصبر طويل أن يُهدر بسرعة، وكيف يمكن لطائفة دخلت التاريخ من باب الدولة، أن تغادره من باب السلاح.