كم «طارق الحسيني الكربلائي» آخر مرّ من هنا… ولم يُكتشف بعد؟

كم «طارق الحسيني الكربلائي» آخر مرّ من هنا… ولم يُكتشف بعد؟

  • ١٠ أيار ٢٠٢٦
  • خاص بيروت تايم

عقيد وهمي، عراقي الجنسية. نجح في بناء شبكة نفوذ داخل مؤسسات أمنية لبنانية. في بيروت، الجميع ينادونه: «سيادة العقيد».

«حين تضعف الدولة، لا يدخل الخطر من الحدود فقط، بل من الأبواب التي تُترك بلا رقابة»   - شارل ديغول -

تبدو هذه العبارة، اليوم أقرب إلى توصيف دقيق للمسار الانحداري الذي وصلت إليه مؤسسات الدولة اللبنانية، حيث لم تعد الثغرات الأمنية مجرّد أخطاء إدارية عابرة، بل تحوّلت إلى بيئة رخوة تسمح للمتسللين بالعبور إلى قلب المؤسسات الحساسة، من دون مساءلة أو تدقيق فعلي.

أحد أكثر النماذج صدمة يتمثل بقصة عراقي ظهر برتب مزيفة، والتقط صوراً مع كبار الضباط، قبل أن يتبيّن أنّه «عقيد وهمي» نجح في التسلل إلى عمق الدولة اللبنانية.

في الليل، كان يعمل داخل محل لبيع الفواكه والعصير في منطقة خلدة.

وفي النهار، يرتدي بزّة عسكرية مرقّطة، يتنقّل بين المقرات الأمنية، ويصافح قادة الأجهزة والضباط، بصفته «سيادة العقيد».

هكذا، بنى طارق الحسيني الكربلائي حضوره داخل لبنان.

الأكثر خطورة أنّ الرجل الذي ظهر مبتسماً في صور إلى جانب مدير عام جهاز أمن الدولة اللواء إدغار لاوندوس، لم يكن ضابطاً عراقياً، ولا مسؤولاً أمنياً في السفارة العراقية كما ادّعى لسنوات، بل شخصاً انتحل صفة أمنية رفيعة، ونجح وفق معلومات أمنية في بناء شبكة نفوذ وهمية داخل مؤسسات الدولة اللبنانية. وفي بيروت، لم يكن يُعرف باسمه الحقيقي. كان الجميع ينادونه: «سيادة العقيد».

الصورة واحدة، وأسئلة بحجم الاختراق

الصورة المسرّبة التي تجمع الكربلائي بقائد جهاز أمن الدولة تحوّلت سريعاً إلى محور جدل أمني واسع، ليس فقط بسبب شخصية الرجل، بل بسبب طبيعة  عمل المؤسسة الأمنية التي استطاع الوصول إليها على أعلى المستويات القيادية.

الإعلامي رياض طوق، رئيس تحرير منصة «بيروت تايم»، وصف القضية خلال مقابلة مع قناة «الحدث» بأنّها «فضيحة أمنية كبرى»، قائلاً إنّ خطورتها تنبع من اختصاص جهاز أمن الدولة نفسه.

وأضاف طوق: «هذا الجهاز، في الأساس، مهمته الاستعلام الأمني والتدقيق بالهويات، وتحديداً هويات الأجانب داخل البلاد. لو افترضنا جدلاً أنّه زار أي دائرة رسمية أخرى، ربما يمكن تبرير عدم اكتشاف هويته الحقيقية لأنّها ليست من اختصاصها. وحتى لو دخل إلى مؤسسة أمنية أخرى، قد يُعذر البعض إن لم يكن عملها التدقيق في هويته. لكن أن يتمكّن من الوصول إلى جهاز وظيفته الأساسية التدقيق بهويات الأشخاص، فهذه فضيحة أمنية ومسلكية».

 كيف بدأ سقوط «العقيد الوهمي»؟

بحسب المعلومات التي أوردها طوق، بدأت خيوط القضية تتكشف بعد توقيف الكربلائي من قبل مديرية المخابرات في الجيش اللبناني.

ووفق المعطيات، فإنّ أحد الدبلوماسيين في السفارة العراقية سرّب معلومات شكّكت بهوية الرجل وصفته، ما دفع مخابرات الجيش إلى التحقق من خلفيته الأمنية.

التحقيقات الأولية، بحسب المعلومات، شملت تفريغ هاتفه الخليوي، ليتبيّن أنّه يحتوي على عدد كبير من الصور التي تجمعه بضباط ومسؤولين أمنيين لبنانيين، الأمر الذي كشف حجم العلاقات التي نجح في نسجها داخل مؤسسات حساسة في الدولة.

«إمبراطورية نفوذ وهمي»

وفق المعلومات الأمنية، لم يكن الأمر مجرّد انتحال صفة عابرة، بل عملية طويلة سمحت للرجل ببناء ما يشبه «إمبراطورية نفوذ وهمي» داخل لبنان، مستفيداً من صورة الضابط الأجنبي النافذ، ومن بيئة أمنية وسياسية رخوة أتاحت له الحركة والوصول.

مصادر أمنية مطلعة تحدثت عن «حصانة غير مباشرة» استفاد منها عدد من العراقيين واليمنيين والإيرانيين خلال سنوات النفوذ الواسع لـ«حزب الله» على القرار الأمني في لبنان، ما خلق ثغرات داخل بعض المؤسسات وأضعف الرقابة على حركة الأجانب وصفاتهم الحقيقية.

في هذا السياق، لم تعد المشكلة، وفق مراقبين، محصورة بالسلاح غير الشرعي فقط، بل بالبيئة التي جعلت الحدود بين الدولة واللادولة متآكلة إلى هذا الحد، بحيث يصبح انتحال صفة أمنية نافذة أمراً ممكناً وقابلاً للاستمرار لسنوات.

 ملف أمام الرئاسة والحكومة

ويؤكد رياض طوق أنّ القضية «لن تمر مرور الكرام»،  لأنّها تكشف، بحسب تعبيره، «خللاً بنيوياً داخل بعض المؤسسات الأمنية والرقابية، وتعرّض أمن الدولة والمواطنين للخطر».

وأنّ الملف أصبح اليوم بعهدة رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، ما يستدعي معالجته سريعاً، عبر فتح تحقيقات داخلية معمّقة، وإعادة النظر في الجهد الاستعلامي للأجهزة الأمنية، ونوعية المعلومات التي تمتلكها، ومدى كفاءتها المهنية وشفافيتها المسلكية.

كما يشدد على ضرورة اتخاذ إجراءات واضحة لإعادة التدقيق بهويات الأجانب الموجودين على الأراضي اللبنانية، وآليات منحهم القدرة على الوصول إلى مؤسسات ومقارّ أمنية حساسة.

ويبقى السؤال الذي تفرضه القضية اليوم:

كم «طارق الحسيني الكربلائي» آخر مرّ من هنا ولم يُكتشف بعد؟