هل تكون المنازلة القادمة في النبطية؟
هل تكون المنازلة القادمة في النبطية؟
المؤشرات لا تعطي يقيناً، لكنها تتقاطع عند اتجاه واحد: النبطية قد تكون ساحة المواجهة القادمة.
لم يتمكن وقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حزب الله» إلا من تحييد لبنان خارج نطاق الجنوب، حيث لا تزال المواجهات مشتعلة بوتيرة مرتفعة، ويسقط يومياً عدد كبير من الشهداء. هذا الواقع ينسف عملياً أي حديث عن تهدئة شاملة، ويؤكد أنّ ما جرى ليس سوى إعادة تموضع ميداني أكثر منه نهاية فعلية للمعركة. الجنوب وحده يدفع الثمن، بينما تُترك باقي المناطق خارج دائرة النار، في مشهد يعكس توازنات دقيقة أكثر مما يعكس إرادة حقيقية لوقف الحرب.
في المقابل، تتكثف الرواية الإسرائيلية التي تتحدث عن غضب داخل المؤسسة العسكرية والسياسية نتيجة «لجم» أميركي. هذه الرواية لا تبدو متماسكة عند مقارنتها بالوقائع على الأرض. فالميدان يشير إلى عكس ذلك تماماً: الجيش الإسرائيلي يواصل عملياته بوتيرة منظمة، يدمّر القرى التي دخلها، ويعيد رسم خطوط انتشاره بطريقة توحي بتحضير مرحلة جديدة، لا بالإنكفاء أو التردد.
في حديث مع دبلوماسي أميركي متقاعد شغل موقعاً حساساً في السفارة الأميركية، يبرز تفسير مختلف. الرجل يؤكد أنّ العقل الاستراتيجي الإسرائيلي لا يعمل بردود الفعل، بل وفق مسار طويل من التخطيط، وأنّ الرغبة في «الإنتقام» من الحزب ليست مجرد شعار، بل هدف منظم ضمن رؤية أوسع. ويضيف أنّ الحرب في لبنان تحظى بشعبية داخل إسرائيل، ما يضع الطبقة السياسية أمام ضغط داخلي للاستمرار، لا التراجع. هذا العامل الداخلي غالباً ما يتم التقليل من شأنه، رغم تأثيره المباشر على القرار العسكري.
ضمن هذا السياق، يرى المصدر أنّ القيادة العسكرية وضعت أهدافاً واضحة تُنفذ ببراغماتية. التقدم نحو بنت جبيل، التي تحمل رمزية «عاصمة التحرير»، لم يكن خطوة معزولة، بل جزءاً من مسار تمهيدي. وإذا كان هذا التحليل دقيقاً، فإنّ المرحلة التالية منطقياً قد تتجه نحو النبطية، بوصفها مركزاً ثانياً ذا رمزية عالية في الجنوب، ما يجعلها هدفاً استراتيجياً وعسكرياً في آنٍ.
المعطيات الميدانية تعزّز هذا الاحتمال. تركيز الضربات، طبيعة التحركات، وإعادة توزيع القوات، كلها مؤشرات توحي بأنّ ثمة تحضيراً لعملية أعمق. لكن هذا السيناريو لا يخلو من المخاطر. أي توغل إضافي للجيش الإسرائيلي سيجعله أكثر انكشافاً، ويضعه ضمن نطاق أوسع من عمليات الحزب، سواء من حيث الكم أو النوعية. السؤال هنا ليس فقط عن نية التقدّم، بل عن قدرة تحمّل كلفته.
في المقابل، من غير المنطقي الإفتراض أنّ «حزب الله» لم يضع هذا السيناريو في حساباته. تاريخ المواجهات السابقة، وطبيعة الأداء الميداني للحزب، يشيران إلى استعداد مسبق لمواجهة توغلات من هذا النوع. ما يعني أنّ أي معركة في النبطية، إن حصلت، لن تكون سهلة أو سريعة، بل قد تتحول إلى نقطة استنزاف حقيقية للطرفين.
في المحصلة، المؤشرات لا تعطي يقيناً، لكنها تتقاطع عند اتجاه واحد: النبطية قد تكون ساحة المواجهة القادمة. بين فرضية الصمود وفرضية السقوط، تبقى النتيجة مفتوحة على احتمالات متعددة، لكن المؤكد أن أي معركة هناك لن تكون مجرد محطة عابرة، بل فصل جديد قد يعيد رسم مسار الحرب، وربما يفتح شهية إسرائيل على توسيع نطاق السيطرة إذا ما تمكنت من تحقيق اختراق حاسم.

