الخائفون بصوت خافت .. لبنانيون لا يجرؤون على الكلام
الخائفون بصوت خافت .. لبنانيون لا يجرؤون على الكلام
لبنان الدولة والقانون والسيادة، لن يُبنى بأصوات المنافي وحدها، ولا بتغريدات من خلف شاشات. يُبنى حين يجد الخائفون فضاء آمناً يقولون فيه ما يعتقدون. وهذا الفضاء هو أول ما يجب بناؤه.
في لبنان، ثمة رأيّ لا يُقال في المقاهي، ولا يُكتب على الجدران، ولا يُصرَّح به أمام الكاميرات. رأيّ يعيش في الغرف المغلقة، بين أصدقاء موثوقين، وأحياناً لا يُقال حتى لأقرب الناس. هؤلاء ليسوا جبناء، بل هم لبنانيون عاديون يعرفون جيداً كلفة الكلام في بلد باتت فيه بعض الآراء تُكلّف أكثر من مجرد خسارة نقاش.
حين يصبح الصمت موقفاً
لبنان بلد يتكلم كثيراً، لكنه في الوقت ذاته بلد يصمت بحذر. فمنذ عقود، ترسّخت معادلة غير مكتوبة: يمكنك أن تنتقد من تشاء لكن هناك خطوط يعرفها الجميع دون أن يُعلنها أحد.
المشكلة ليست غياب الرأي المعارض، بل غياب الفضاء الآمن للتعبير عنه. كثيرون يرفضون في سرّهم ما يُقدَّم لهم على أنّه «مقاومة» و«حماية»، لكنهم يختارون الصمت لأنّ الثمن يبدو دائماً أكبر من الكلام.
من هم الخائفون؟
ليسوا فئة واحدة ولا طائفة بعينها. هم موظف في إدارة عامة يخشى على رزقه، وأستاذ جامعي يزن كلماته أمام طلابه، وشاب من الضاحية الجنوبية يحمل أسئلة لا يجرؤ على طرحها في حيّه، وأب في بلدة جنوبية يرى أبناءه يُجنَّدون لحروب لم يخترها.
ثقافة الترهيب الناعم
لا يحتاج الترهيب دائماً إلى مواجهة مباشرة. أحياناً يكفي مثال واحد يراه الجميع ليفهم الجميع. اغتيال هنا، تهديد هناك، محاكمة لصحفي، ضغط على عائلة. هذه الحوادث لا تستهدف فقط أصحابها، بل تُرسل رسالة صامتة لكل من يفكر في الكلام: «نحن هنا، ونحن نسمع ونرى»
والنتيجة ليست مجتمعاً خائفاً بالكامل، بل مجتمعاً تعلّم أين يضع حدود كلامه.
ما بعد 2019 وما بعد 2024
منحت ثورة تشرين ٢٠١٩ الكثيرين، جرأة لم يعرفوها من قبل. للمرة الأولى، خرج ناس من بيئات محسوبة على حزب الله وقالوا علناً ما كانوا يهمسونه في البيوت. لكن سرعان ما تراجع الزخم، وعادت الحسابات القديمة.
ثم جاءت حرب ٢٠٢٤ وما خلّفته من دمار وخسائر بشرية، لتعيد خلط الأوراق من جديد. الغضب الشعبي بات أعلى صوتاً، لكن هياكل الخوف لا تزال راسخة، والسؤال الذي يطرحه كثيرون في السر: إلى متى؟ ولحساب من؟ ولماذا؟
واليوم حرب 2026 لا شيئ تبدّل ولا أصوات ترتفع أكثر من حدّها.
ويتكرر السؤال نفسه: إلى متى؟ ولحساب؟ ولماذا؟.. لكنه ما زال عالقاً في حناجرهم..
الكلفة الحقيقية للصمت
حين يصمت المجتمع لا يعني ذلك أنّه موافق، بل يعني أنّ الخوف يتحدث بصوت أعلى من القناعة. والخطورة أنّ هذا الصمت المتراكم يُفقد الدولة مناعتها، ويُعطي لغير الدولة شرعية لم يمنحها إياه أحد، بل انتزعها من فراغ الكلام.
لبنان الذي يريده كثيرون، لبنان الدولة والقانون والسيادة، لن يُبنى بأصوات المنافي وحدها، ولا بتغريدات من خلف شاشات. يُبنى حين يجد الخائفون بصوت خافت فضاءً آمناً يقولون فيه ما يعتقدون. وهذا الفضاء، قبل أي شيء آخر، هو أول ما يجب بناؤه.
