الفوسفور الأبيض يغطي الشريط الحدودي
الفوسفور الأبيض يغطي الشريط الحدودي
الحرب ليست فقط ما يحدث أثناء المعارك، بل ما يبقى بعدها: مخاطر صحية، أرض متضررة، ومواسم زراعية مهددة.
في جنوب لبنان، لا تنتهي آثار الحرب دائماً مع توقف القصف. أحياناً يبقى شيء آخر في المكان؛ رائحة عالقة في الهواء، أرض متفحمة، وقلق يرافق الناس حتى بعد عودتهم إلى منازلهم. ومن بين أكثر القضايا التي أثارت مخاوف الأهالي خلال الأشهر الماضية، الحديث المتكرر عن استخدام ذخائر تحتوي على الفوسفور الأبيض في عدد من المناطق الجنوبية.
منذ بداية التصعيد على الحدود، تداولت وسائل إعلام دولية وتقارير حقوقية معلومات تشير إلى استخدام هذه المادة في أكثر من منطقة جنوبية. وقد وثّقت جهات دولية، بينها صحيفة نيويورك تايمز ومنظمات حقوقية معروفة، مشاهد لسحب دخانية كثيفة وتصاعد حرائق في مناطق مأهولة، ما فتح باب التساؤلات حول تأثير هذه المادة على السكان والبيئة المحيطة بهم.
في بلدات مثل الخيام والنبطية ويحمر وقلايا ومحيط مدينة صور، لم يكن السكان يتابعون هذه التقارير من بعيد. بالنسبة للكثيرين منهم، كانت المشاهد جزءاً من حياتهم اليومية. دخان كثيف يغطي السماء، حرائق تقترب من الأراضي الزراعية، وخوف متواصل من المجهول.
ووفقاً لتقرير صادر عن منظمة العفو الدولية، تم توثيق استخدام الفوسفور الأبيض في ما لا يقل عن ١٧ بلدة وقرية في جنوب لبنان منذ تصاعد المواجهات، بينها مناطق سكنية مأهولة. واعتبرت المنظمة أن استخدام هذه المادة بالقرب من المدنيين يعرضهم لمخاطر كبيرة، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر.
خلف كل رقم توجد عائلة اضطرت إلى مغادرة منزلها على عجل، ومزارع عاد ليجد أرضه وقد احترقت، وأطفال أمضوا ليالي طويلة وسط أصوات الانفجارات والخوف من تجدد الحرائق. كثير من سكان القرى الحدودية عاشوا تجربة النزوح أكثر من مرة خلال الأشهر الماضية، متنقلين بين القرى الداخلية والمناطق التي بدت أكثر أمناً.
أما من الناحية الصحية، فيحذر أطباء وخبراء من أن التعرض لدخان الفوسفور الأبيض قد يسبب مشاكل تنفسية حادة وتهيجاً في الجهاز التنفسي، خصوصاً لدى الأطفال وكبار السن والأشخاص الذين يعانون من أمراض مزمنة. كما أن الحروق الناتجة عنه تُعد من أخطر أنواع الحروق الكيميائية بسبب قدرة المادة على الاشتعال مجدداً عند ملامستها للأوكسجين.
وفي الجنوب، لا يقتصر القلق على صحة الناس فقط، بل يمتد أيضاً إلى الأرض التي يعتمد عليها آلاف السكان كمصدر رزق أساسي.
فالزراعة في العديد من القرى الجنوبية ليست مجرد قطاع اقتصادي، بل جزء من هوية المنطقة وحياتها اليومية. غير أن تقارير بيئية لبنانية ودولية أشارت إلى أضرار واسعة لحقت بالأراضي الزراعية نتيجة الحرائق والقصف، خصوصاً في المناطق التي تعتمد على زراعة الزيتون والتبغ والمحاصيل الموسمية.
وتشير تقديرات منشورة إلى أن أكثر من خمس الأراضي الزراعية في جنوب لبنان تأثرت بشكل مباشر أو غير مباشر خلال فترة التصعيد، فيما احترقت مساحات واسعة من الأشجار والمحاصيل. وبالنسبة لكثير من المزارعين، لا تتعلق الخسارة بموسم واحد فقط، بل بمصدر دخل قد يحتاج سنوات ليستعيد عافيته.
وتحذر منظمات حقوق الإنسان من أنّ استخدام الفوسفور الأبيض في مناطق مأهولة يثير أسئلة قانونية وأخلاقية جدية، خصوصاً في ما يتعلق بحماية المدنيين أثناء النزاعات المسلحة. وترى هذه المنظمات أن تكرار استخدام هذه الذخائر قرب التجمعات السكنية يستوجب تحقيقات مستقلة لتحديد مدى توافق ذلك مع قواعد القانون الدولي الإنساني.
اليوم، وبينما تستمر الجهود لاحتواء التصعيد، يبقى سكان الجنوب أمام واقع صعب. فالحرب بالنسبة لهم ليست فقط ما يحدث أثناء القصف، بل أيضاً ما يبقى بعده: أرض متضررة، مواسم زراعية مهددة، وذاكرة مثقلة بالخوف وعدم اليقين.
وربما تكمن خطورة هذه القضية في أنّها لا تنتهي مع اختفاء سحابة الدخان من السماء. فبعض آثار الحروب تبقى حاضرة لسنوات طويلة، في التربة، وفي الاقتصاد، وفي حياة الناس الذين يحاولون ببساطة العودة إلى حياتهم الطبيعية.

