في لاأخلاقية سعي نعيم قاسم لإستخدام غضب مناصريه
سبق أن قرر الشيخ نعيم قاسم وحزبه ان يكون مناصروه سعداء، استشهادا او نزوحا، لكنه وجد نفسه مضطرا ان يعترف بالنكبة التي المّت بهم، عندما راحوا يتذمرون بعد تزايد شكوكهم حول قدرة حزب الله على حمايتهم وإعادة بناء مساكنهم وقراهم وبلداتهم المهدّمة.
ومع ارتفاع نسبة الغضب في اوساط مناصريه هؤلاء، نتيجة الإحباط الذي بدأ يتملكهم، وجد نعيم قاسم انه من الضروري أن يوجّه هذا الإحباط بإتجاه كبش محرقة يتمثّل برئيس الجمهورية والحكومة، وهو لم يتوقف عن الاعداد لذلك، بعد الحرب مباشرة، في تصريحاته كما في تصريحات قيادات حزب الله.
ذلك ان ثلاثية الإحباط - الغضب - الإسقاط، يعرفها جيدا نعيم قاسم: "فالإحباط شعور ينشأ عند الفشل في تحقيق هدف، ويؤدي غالباً إلى الغضب كاستجابة دفاعية، بينما يُعدّ الإسقاط حيلة نفسية تُسقَطُ فيها العدوانية على اكباش فداء، عاجزين في العادة عن الدفاع عن انفسهم، على عكس مصدر الغضب الذي لا يمكن المس به."
وكما قرر عنهم أن يسعدوا في بداية حروب حزبه، يريد الشيخ نعيم قاسم ان يقرر عنهم اليوم متى يفجّرون غضبهم وبأي اتجاه، فخاطب مناصريه في ذكرى حرب تموز قائلا: "نطلب منكم ان تختزنوا الغضب وله وقت ويمكن ان ينفجر وعن كيف ينفجر فليتحمل من لا يعرف العمل ويحاول العمل ضد المقاومة وأهلها".
في كلام الشيخ نعيم قاسم وفي جملة واحدة، ثلاث سقطات أخلاقية. السقطة الأولى هي قراره تفعيل الشعور ب"الغضب" والغضب هو "انفعال طبيعي وشعور بالاستياء أو هياج نفسي وجسدي ينتج غالباً عن التعرض لضرر أو إهانة أو تهديد".
الفلسفة وعلم النفس، لا ينكران على "الغضب" حقه في الوجود كشعور انساني طبيعي وصحي في مواجهة الظلم او القهر او الإحباط. لكنهما، وكل على طريقته، يحاولان تفادي مخاطر ما يترتب على التعبير عنه بطريقة عنيفة، وتُطرح مقاربات واستراتيجيات لضبط مساره.
الاديان اكثر تشددا مع الغضب. في التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، يُعد "الغضب الباطل أو المدمر واحدة من الخطايا الرئيسية السبع، لأنه رغبة في الانتقام وإرادة للشر تجاه القريب، بينما يُنظر إلى "الغضب المقدس" أو الرفض الطاهر للظلم كاستجابة نقية ضد الشر دون كراهية شخصية."
موقف الدين الإسلامي قاطع في مجال ضرورة لجم الغضب. بالنسبة للنبي محمد إن مقياس القوة الحقيقية ليس في التعبير عن الغضب: "لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ». ونُقل عنه أيضا قوله:" إِذَا غَضِبَ أَحَدُكُمْ فَلَيْسَكْتَ».
اما الامام علي فيذهب أبعد من ذلك:" إِيَّاكَ وَ الْغَضَبَ فَإِنَّ أَوَّلَهُ جُنُونٌ وَ آخِرَهُ نَدَمٌ" ومن لم يندم "فجنونه مستحكم".
يبدو أن الشيخ نعيم لا يريد ان يتّبع نصائح النبي ولا ان يتعظ من تحذيرات الإمام علي، فهو يخطط لتفعيل الغضب عبر الدعوة الى "تخزينه"، ربما كما جرى تخزين النيترات في مرفأ بيروت. الخطورة الكبرى تكمن في ان قاسم يتعامل هنا مع غضب جماعي وليس فردي، ومخاطر انفلاته في هذه الحالة افدح بكثير على المستوى الوطني.
السقطة الأخلاقية الثانية هي ان قاسم يريد استخدام هذا الغضب عندما يرى ان الوقت قد حان لذلك. حزب الله لا يكتفي بالتلاعب بالمشاعر، من السعادة الى الغضب، بل يريد ان يتحكم بها دون اعتبار لإصحابها، اذ يدعوهم الى تخزينها حتى يقرر هو استخدامها بما يتناسب مع مصالحه، ودون ان يبالي بأن "كبت الغضب وقمع المشاعر السلبية بانتظام يؤدي إلى أضرار بالغة على الصحة النفسية والجسدية، تشمل الإصابة بالتوتر والقلق المزمن، واضطرابات الجهاز الهضمي، وضعف جهاز المناعة، فضلاً عن خطر الانفجار العاطفي المفاجئ لاحقاً وتدمير العلاقات الشخصية.". هذه العوارض المؤذية لافراد بيئته غير مهمة طالما انه عندما يحين الوقت، ستنهض البيئة كرجل واحد تلبية لنداء انفجار الغضب.
اما السقطة الأخلاقية الثالثة فهي رغبة قاسم وحزبه في توجيه الغضب باتجاه "من لا يعرف العمل ويحاول العمل ضد المقاومة وأهلها"، اي الى السلطة التنفيذية الرسمية وربما الى داعميها وهم أغلبية اللبنانيين. من أجل رفع المسؤولية عنه، وامتصاص نقمة بيئته عليه، لا يتردد حزب الله بالكذب على بيئته من خلال تحميل السلطة مسؤولية نكبتها- وهو بذلك يرد المسؤولية ايضا عن اسرائيل- كما انه لا يكترث بفلتان "الجنون" كما وصف الإمام علي الغضب، وهو لن يشعر بالتأكيد ب"الندم"، ذلك انه لا يشعر بالندم من استحكم به الجنون على حد قول الإمام نفسه.
من حق أهل الجنوب ان يغضبوا وان يشق صراخهم السماوات لتسمعه الآلهة والعالم الصامت على ابادتهم وعلى محو مظاهر عمرانهم. واول من يجب أن يسمعهم هو حزب الله الذي عليه أن يعمل في إطار المؤسسات الدستورية على إيجاد افضل الطرق لإنتشالهم من هذه النكبة التي تسبب بها، بدل الاستمرار في سياساته المدمّرة، وآخرها تهديده باستخدام غضبهم، لاسقاط الدولة وتعميم النكبة على سائر اللبنانيين، بحيث تتحول أرض لبنان بكاملها الى ساحة صراع لا ينتهي بين إسرائيل وايران.

