ترامب في فرساي.. استسلام على الطريقة الألمانية
ترامب في فرساي.. استسلام على الطريقة الألمانية
تداعيات الاتفاق قد تظهر خارج الشرق الأوسط. فروسيا والصين تراقبان النتيجة النهائية للحرب أكثر مما تراقبان تفاصيلها.
عندما بدأت الحرب مع إيران، لم تكن أهداف الرئيس الأميركي دونالد ترامب متواضعة. الإدارة الأميركية تحدثت عن تغيير النظام الإيراني، وإنهاء المشروع النووي، وتدمير برنامج الصواريخ الباليستية، وإنهاء نفوذ الحلفاء الإقليميين لطهران. بالنسبة لترامب، كانت هذه المواجهة فرصة لإعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط وفرض واقع جديد على الجمهورية الإسلامية. ومع التفوق العسكري الأميركي والإسرائيلي خلال الحرب، بدا للكثيرين أن واشنطن تقترب من فرض شروطها بالكامل على طهران وأن نهاية المشروع الإيراني أصبحت مسألة وقت لا أكثر.
لكن مع انتهاء الحرب وبدء المفاوضات، جاءت النتائج مختلفة تماماً عن الأهداف المعلنة. فالنظام الإيراني بقي قائماً، ولم يتم تفكيك المشروع النووي، كما لم يتم القضاء على برنامج الصواريخ الباليستية. أما الحلفاء الإقليميون لإيران فلم يجرِ تفكيكهم أو إنهاء دورهم في المنطقة. وبمعنى آخر، فإن الأهداف التي قيل إن الحرب شُنت من أجل تحقيقها بقيت قائمة عند انتهاء القتال. وهنا بدأت المشكلة السياسية لترامب، لأن الحروب لا تُقاس فقط بحجم الضربات العسكرية، بل بالنتائج التي تفرضها الدول المنتصرة على طاولة المفاوضات.
ورغم ذلك، خرج ترامب ونائبه جي دي فانس معلنين تحقيق انتصار تاريخي. لكن الإنجاز الذي تم تسويقه للرأي العام لم يكن إسقاط النظام الإيراني أو إنهاء برنامجه الصاروخي، بل إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة الدولية. المفارقة أن المضيق كان مفتوحاً قبل الحرب أساساً، فيما حصلت إيران في المقابل على الإفراج عن جزء من أموالها المجمدة وتخفيف القيود المفروضة على صادراتها النفطية. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ أوقفت واشنطن أيضاً الحرب الإسرائيلية على حزب الله في وقت كانت فيه تل أبيب تعتقد أنها تقترب من تحقيق أهداف استراتيجية ضد الحزب. وبذلك وجدت إسرائيل نفسها أمام إدارة أميركية مستعدة لإيقاف الحرب والتوجه نحو التسوية في اللحظة التي رأت فيها واشنطن أن مصالحها تقتضي ذلك، الأمر الذي دفع بعض الأوساط الإسرائيلية إلى إعادة التفكير بطبيعة التحالف مع الولايات المتحدة وحدود الاعتماد عليه.
لكن المفارقة الأكبر لم تكن في بنود الاتفاق، بل في مكان توقيعه. فترامب وقع الاتفاق بنفسه في فرساي، المكان الذي ارتبط في الذاكرة السياسية الغربية باستسلام ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى. وبينما كان الرئيس الأميركي يسعى إلى تقديم الاتفاق كنصر تاريخي، وجد نفسه يوقعه في المكان الذي تحول عبر التاريخ إلى رمز للهزائم السياسية والاتفاقات المفروضة على الخاسرين.
وبحسب مصدر استخباراتي غربي، فإنّ الخسارة لا تتعلق بإيران وحدها. فالمشكلة الحقيقية تكمن في الرسالة التي خرجت بها القوى الكبرى من هذه الحرب. فروسيا والصين وخصوم الولايات المتحدة باتوا يدركون أنّ واشنطن لا تملك الرغبة السياسية لخوض حروب طويلة مهما بلغ حجم التهديدات التي تطلقها في البداية، وأنّها ستبحث في النهاية عن تسوية واتفاق للخروج من المواجهة. وهذه الرسالة، بحسب المصدر، أخطر من أي بند ورد في الاتفاق نفسه، لأنّها لا تتعلق بإيران فقط بل بكل أزمة دولية قد تواجهها الولايات المتحدة مستقبلاً.
ويضيف المصدر أنّ أخطر تداعيات الاتفاق قد تظهر خارج الشرق الأوسط. فروسيا والصين تراقبان النتيجة النهائية للحرب أكثر مما تراقبان تفاصيلها. وإذا كان استنتاجهما أنّ الولايات المتحدة لم تعد مستعدة لدفع ثمن فرض شروطها السياسية، فإنّ ذلك قد يشجع خصومها على اتخاذ خطوات أكثر جرأة في السنوات المقبلة. ولهذا يتوقع المصدر أن تشهد المرحلة القادمة تصعيداً روسياً تجاه دول البلطيق وتصعيداً صينياً تجاه تايوان، بعدما باتت واشنطن في نظر كثيرين أقل استعداداً لخوض مواجهات طويلة من أجل فرض أهدافها المعلنة.
لهذا السبب، قد لا يتذكر التاريخ عدد الغارات التي نُفذت أو حجم الدمار الذي خلفته الحرب. ما قد يتذكره هو أن ترامب دخل الحرب وهو يتحدث عن تغيير النظام الإيراني وإنهاء مشروعه العسكري بالكامل، ثم خرج منها محتفلاً بفتح مضيق كان مفتوحاً أصلاً، فيما حصلت إيران على أموالها ونفطها، وتوقفت الحرب الإسرائيلية على حزب الله، وانتهى الأمر بتوقيع الاتفاق في فرساي، حيث وقّعت ألمانيا هزيمتها قبل أكثر من قرن.

