سوريا التي تغيّرت: دمشق في معراب، كليمنصو والصيفي

سوريا التي تغيّرت: دمشق في معراب، كليمنصو والصيفي

  • ٠٣ تموز ٢٠٢٦
  • جو حمّورة

السياسة تُقاس بالأفعال. ومن الوقائع أنّ دمشق التي كانت تستدعي السياسيين اللبنانيين إليها، أصبحت تزورهم في مقارهم، والتي كانت تقاطع خصومها، أصبحت تجلس معهم.

لم تكن زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى لبنان مجرد زيارة بروتوكولية، بل كانت إعلاناً عن تبدّل عميق في نظرة دمشق إلى لبنان.

في السياسة، لا تتحدث الكلمات وحدها، بل مسار الزيارة أيضاً. فالوزير السوري لم يكتفِ بلقاء الرؤساء الثلاثة، بل زار أيضاً رئيس حزب القوات اللبنانية ورئيس حزب الكتائب اللبنانية ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي، في مشهد كان من المستحيل تخيّله في زمن النظام السابق.

في الماضي، كانت العلاقة تقوم على قاعدة بسيطة: هناك من يُسمح له بزيارة دمشق، وهناك من يُمنع. هناك حلفاء، وهناك أعداء. أما اليوم، فقد ذهبت دمشق بنفسها إلى من كانوا في طليعة خصومها السياسيين. وهذه وحدها تختصر حجم التحوّل.

في زمن الوصاية، كانت الأحزاب اللبنانية جزءاً من معادلة النفوذ السوري، وكانت الحكومات والاستحقاقات تُدار وفق الإرادة السورية، فيما كان معارضو الوصاية يواجهون العزل أو التخوين.

أما اليوم، فيجلس الوزير السوري في معراب كما في الصيفي وكليمنصو، ويتحدث عن التعاون واحترام السيادة، لا عن فرض الإرادات. وقد يكون ذلك نتاج موازين القوى الجديدة أكثر منه قناعة، لكنه يبقى تحولاً لا يمكن تجاهله.

حتى الخطاب تغيّر. فبدلاً من شعارات «العلاقات الأخوية المميّزة» التي كانت غطاءً للهيمنة السورية على لبنان، تحدث الشيباني عن ضرورة تجاوز «الإرث السيئ» بين البلدين، في اعتراف ضمني بأنّ الماضي لم يكن نموذجاً يُحتذى.

كما أنّ دمشق الجديدة تتحدث عن الدولة اللبنانية ومؤسساتها ولجانها المشتركة، لا عن إدارة لبنان عبر المحاور الأمنية. وحتى علاقتها ب«حزب الله»، فباتت محكومة بمنطق المصلحة السورية، لا بالتحالف المطلق.

قد يشكك كثيرون في هذه التحولات، وهذا مفهوم. لكن السياسة تُقاس بالأفعال. ومن الوقائع أنّ دمشق التي كانت تستدعي السياسيين اللبنانيين إليها، أصبحت تزورهم في مقارهم، والتي كانت تقاطع خصومها، أصبحت تجلس معهم.

إنّها ليست مجرد زيارة وزير خارجية، بل إشارة إلى أنّ سوريا نفسها تغيّرت. وربما للمرة الأولى منذ عقود، تبدو العلاقة بين البلدين مرشحة لأن تُبنى على قاعدة واضحة: دولتان لشعبين، لا دولتان لشعب واحد.

ويبقى الاختبار الحقيقي: فإذا كانت دمشق قد تخلّت عن منطق الوصاية، فهل يتعامل لبنان معها بوصفها دولة جارة لا طرفاً في الصراعات الداخلية؟ فالشراكة تحتاج إلى سوريا جديدة، كما تحتاج إلى لبنان يعرف كيف يبني علاقاته الخارجية من موقع الدولة. عندها فقط، تكون هذه الزيارة قد دشّنت مرحلة جديدة، لا مجرد تبديل في الأشخاص والأساليب.