أمن دمشق يبدأ من بيروت

أمن دمشق يبدأ من بيروت

  • ٠٣ تموز ٢٠٢٦
  • أنطوني سعد

سوريا الجديدة تريد أن تعود لاعباً يتحدث مع الجميع لا مع فريق واحد فقط.

لا يمكن النظر إلى زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني إلى لبنان على أنّها زيارة دبلوماسية اعتيادية. فطريقة تنظيمها، والشخصيات التي التقاها، ومحطاتها المختلفة، كلها تشير إلى أنّ دمشق أرادت إرسال رسالة سياسية تتجاوز العلاقات الثنائية إلى الإعلان عن عودة دورها الإقليمي في لبنان، ولكن هذه المرة بأسلوب مختلف عن الماضي.

استهل الشيباني زيارته بلقاء رئيس الجمهورية جوزاف عون، ورئيس الحكومة نواف سلام، ورئيس مجلس النواب نبيه بري، قبل أن يوسع دائرة لقاءاته لتشمل رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي السابق وليد جنبلاط، ورئيس حزب الكتائب سامي الجميل، والنائب فيصل كرامي، إلى جانب عدد من المرجعيات الدينية. هذا التنوّع لم يكن مجرد خطوة بروتوكولية، بل رسالة بأنّ سوريا الجديدة تريد أن تكون على تواصل مع مختلف القوى اللبنانية، وأن تعود لاعباً يتحدث مع الجميع لا مع فريق واحد فقط.

لكن المشهد الأكثر رمزية لم يكن في القصر الجمهوري أو السراي الحكومي، بل في طرابلس، المحطة الأخيرة من الزيارة. فالاستقبال الشعبي الذي حظي به الشيباني هناك حمل دلالة سياسية واضحة، إذ أظهر أنّ لسوريا ما زال نفوذ وحضور داخل المجتمع اللبناني، وأنّ العلاقة بين البلدين لا تختصر فقط بالمؤسسات الرسمية، بل تمتد إلى قوى سياسية واجتماعية وشعبية ترى في دمشق شريكاً أساسياً في مستقبل المنطقة.

لطالما قيل إنّ لبنان محظوظ بجغرافيته لأنّه يطل على البحر الأبيض المتوسط، لكنه في الوقت نفسه ملعون بجغرافيته لأنّه يتشارك حدوده مع سوريا وإسرائيل. فهاتان الدولتان كانتا دائماً الأكثر تأثيراً في القرار اللبناني، سواء عبر الحروب أو التسويات أو التوازنات السياسية. ومن هنا، يبدو أنّ دمشق تريد اليوم إعادة تثبيت موقعها باعتبارها الشقيق الأكبر للبنان في المشرق، ليس عبر الوصاية كما في السابق، بل عبر النفوذ السياسي والدبلوماسي.

وتأتي هذه الزيارة أيضاً في سياق تثبيت الاتفاق القائم بين لبنان وإسرائيل. فاستقرار لبنان أصبح جزءاً من استقرار سوريا نفسها، وأي انهيار داخلي أو مواجهة جديدة سيترك انعكاسات مباشرة على دمشق. لذلك حملت الزيارة دعماً واضحاً للقوى اللبنانية المؤيدة لاستمرار هذا المسار، ورسالة بأنّ سوريا تريد الحفاظ على الاستقرار السياسي وعدم السماح بانهياره.

وفي المقابل، شكلت الزيارة رسالة مباشرة إلى حزب الله. فالتحذير لم يكن من مواجهة مع إسرائيل، بل من أي محاولة لإحداث اضطراب داخلي أو إسقاط الحكومة أو فرض معادلات جديدة بالقوة. وبحسب مصدر في وزارة الخارجية السورية، فإنّ الشيباني المعروف بأنّه مهندس سوريا الجديد وولي عهد الشرع شدد في لقائه الرئيس بري على  أنّ دمشق تعتبر لبنان جزءاً من أمنها القومي و أنّ أي إخلال بالتوازنات سيؤثر على سوريا و هي عندها لن تقف متفرجة

قد يختلف اللبنانيون حول حجم الدور السوري الذي سيعود، لكن ما لا يمكن تجاهله هو أنّ زيارة الشيباني لم تكن زيارة وزير خارجية عادي، بل كانت إعلاناً بأنّ دمشق تريد أن تكون حاضرة مجدداً في المعادلة اللبنانية، وأنّ أمنها يبدأ من بيروت قبل أي مكان آخر.