كأس العالم للمهاجرين؛ لما لا؟!
في قراءةٍ سريعة لظاهرة التنوّع الديموغرافيّ والعرقيّ والهويّاتيّ للمشهد الكرويّ في تصفيات كأس العالم في القارة الأميركيّة، يبدو جليًّا أن المقاربات الدائرة حول أصول اللاعبين نادرًا ما تصيب الهدف؛ إذ يرتكز التصويب، في الغالب، نحو تسجيل "ضربة جزاء" في مرمى الكراهية والتعصّب، أو التعالي والمكابرة بالتفوّق.
"الموهبة وليدة الملاعب"
إنّ جوهر الانتماء الرياضيّ والهوية الكرويّة لأيّ منتخب لا يُقاس بالنقاء الجيني، والضيق الجغرافيّ، وسجلات القيد، ومراجع الجنسيّات، بل بالمنشأ الرياضيّ الذي أطلق الموهبة واحتضنها. فالمسألة الحقيقيّة ليست في ما إذا كان اللاعب مواطنًا بالولادة أو مهاجرًا بالسعي، بل في كونه "وليد ملاعب" الدولة التي يرتدي قميصها. فاللاعب ينتمي كرويًّا إلى الأرض التي صقلت موهبته، والمنظومة التي استثمرت في أقدامه وأحلامه وإمكاناته. قميص المنتخب هو، في نهاية المطاف، تمثيلًا للمدرسة الرياضيّة الوطنيّة التي أنتجته، لا انعكاسًا للتراكيب السكانيّة وخطوط الجغرافيا وأطياف تلاوين البشرة.
"المفارقة الملهمة"
ومن زاويةٍ أوسع، فإنّ وفرة اللاعبين من ذوي الأصول المهاجرة في منتخب أيّة دولةٍ هي الشهادة التي لا تقبل الجدل على حيويّة تلك الدولة وجاذبيّتها الإنسانيّة والمعيشيّة؛ إذ إنّها الدليل الأبقى على أنّها امتلكت من الإنصاف ما جعلها مقصدًا من كلّ اتجاه، ومن الرحابة ما منح الوافدين فرصًا للنجاة والاستقرار، وصناعة الحياة، وتحقيق السعادة والنجاح.
ويتجلّى جمال هذه الرحابة في مفارقتها الأكثر إلهامًا؛ إذ إنّ ذات الأقدام التي ركضت للنجاة يومًا خلف أمانٍ مفقود، أو ازدهارٍ منشود، غدت اليوم تركض للمجد فوق المستطيل الأخضر موشّحةً بألوان أعلام الدول الحاضنة؛ لتمثّلها في أرفع مسابقةٍ دوليّةٍ للساحرة المستديرة.
"لما لا؟!"
وفي المقابل، إنّها صدمة الواقع التي قدّمتها المستديرة درسًا من عمق السوسيولوجيا الكرويّة وسطحيّة الطبقيّة لتعالي دول الغرب الصاخبة بالتذمّر من عبء المهاجرين؛ فالخلفيّات الكامنة وراء احتضان المهاجرين ليست إنسانيّةً بحتة، بل هي الحاجة الملحّة لمجتمعاتٍ بلغت من الرفاه والترف حدًّا أخملَ طاقاتها؛ فهي لم تعد عاجزةً فقط عن إمداد شرايينها بالسواعد العاملة، بل باتت شبه خاليةٍ من أقدامٍ تركض طوال تسعين دقيقة لتُبقي راياتها الرياضيّة مرفوعةً في كأس العالم.
فليكن "كأس المهاجرين"… لِمَ لا؟!

