هل يسلّم بري مفتاح الجنوب للأميركيين؟
هل يسلّم بري مفتاح الجنوب للأميركيين؟
أن يقول بري إنّ الجيش اللبناني هو القوة الوحيدة في الجنوب. ليس مجرد إعادة ترتيب للمفردات، بل تبدّل في الأولويات السياسية.
تبدو مواقف رئيس مجلس النواب نبيه بري في الآونة الأخيرة جديرة بالتوقف عندها، ليس فقط بسبب مضمونها، بل بسبب المفردات التي اختارها لوصف الدور الأميركي في إنهاء الحرب ومستقبل الجنوب.
بري، الحليف السياسي الأبرز لحزب الله، قال بوضوح إنّ الولايات المتحدة بقيادة ترامب هي الدولة الوحيدة، القادرة على إلزام إسرائيل بإنهاء الحرب. وقد تبدو كلمة «الوحيدة» تفصيلاً لغوياً، لكنها في السياسة ليست كذلك، خصوصاً عندما تأتي في سياق حديث عن تسوية يفترض أن تعيد رسم الترتيبات الأمنية في جنوب لبنان.
الأكثر دلالة هو ما قاله بري عن المرحلة التي تلي الانسحاب الإسرائيلي: انتشار فوري للجيش اللبناني جنوب نهر الليطاني، على أن يكون الجيش القوة الوحيدة التي تتولى حفظ الأمن في المنطقة.
فالكلام لم يعد يدور عن صيغة تعايش بين الجيش اللبناني وسلاح حزب الله، ولا عن معادلات عامة من نوع «العيش المشترك» أو توزيع الأدوار بين الدولة والمقاومة. عندما توصف المؤسسة العسكرية بأنّها «القوة الوحيدة» الحافظة للأمن جنوب الليطاني، فإنّ ذلك يفتح الباب أمام استنتاج سياسي واضح: أي تسوية مقبلة قد تعني، عملياً، إنهاء الدور المسلح لحزب الله في تلك المنطقة.
هذا الخطاب يأتي بعد أشهر قليلة من مرحلة كان فيها بري أكثر تشدداً في مقاربة المسار الأميركي. يومها، كان يعترض على الطروحات الأميركية، ويرفض ما عُرف بالمناطق التجريبية، ويصف الاتفاق المقترح بأنّه «هجين ومفخخ».
فقد نقل المسؤول الأميركي إدوارد غبريال أنّ بري مهتم جداً بإحراز تقدم في المناطق التجريبية، وأنّه يريد شخصياً أن يراها تنجح. والأهم سياسياً أنّ هذا الكلام لم يتبعه، نفي واضح من المكتب الإعلامي لرئيس مجلس النواب، رغم أنّ المكتب اعتاد التعليق على ما يُنسب إلى بري عندما يرى ضرورة للتوضيح أو التصحيح.
وتزداد دلالة هذا التحول إذا وُضع في سياق موقف رئيس الجمهورية جوزف عون، الذي قال من داخل البيت الأبيض إنّ بري يريد إنهاء الحرب ويدعم هذا الاتجاه.
وقد بات واضحاً أنّ ما بعد زيارة واشنطن لن يكون شبيهاً بما قبلها، وأنّ ثمة مساراً سياسياً جديداً يتشكل بهدوء، عنوانه إنهاء الحرب والبحث في ترتيبات ما بعد وقف النار.
ففي الخطاب الأخير لبري، لا تتقدم إلى الواجهة عناوين «وحدة الساحات»، ولا الحديث عن قدرة «محور المقاومة» وحده على فرض الانسحاب الإسرائيلي، ولا تقديم إيران باعتبارها مفتاح الحل الوحيد. بدلاً من ذلك، تتقدم واشنطن باعتبارها الجهة القادرة على إلزام إسرائيل، ويتقدم الجيش اللبناني باعتباره القوة الوحيدة التي يفترض أن تنتشر جنوب الليطاني.
وهذه ليست مجرد إعادة ترتيب للمفردات، بل تبدّل في الأولويات السياسية.
لسنوات، استند الخطاب السياسي لحزب الله وحلفائه إلى التحذير من المشروع الأميركي، المنحاز بصورة كلياً إلى إسرائيل، وأنّ الرهان عليها في استعادة الحقوق اللبنانية وهم، وأن قوة المقاومة هي الضمانة الأساسية لحماية لبنان واستعادة الأرض.
وبين الموقفين مسافة سياسية كبيرة، وتوصيف لمرحلة ما بعد التسوية. يفهم منها أنّ الأميركيين باتوا جزءاً من معادلة الجنوب، وأحد أبرز حلفاء حزب الله يتحدث عن الجيش اللبناني بوصفه القوة الأمنية الوحيدة في الجنوب
قد لا يكون «مفتاح الجنوب» قد سُلّم بعد. لكن يبدو أنّ اليد التي تمسك به بدأت تتغير.

