حرب، تفاوض، كهرباء، نبيه… إلخ.

حرب، تفاوض، كهرباء، نبيه… إلخ.

  • ٠٢ أيلول ٢٠٢٦
  • جورج طوق

إنّ أحداث هذا النص هي من نسج الواقع. إنّ أي تشابه في الأسماء والأحداث ليس محض صدفة.

ads

 "لا للتفاوض"

"لا تفاوض، ولا مساومة على الكرامة". رفضٌ جاهرٌ وقاطع، يفيضُ وطنيّةً ومبدئيّةً وطُهرانيّة. لكنّنا إن أزحنا مساحيق التنميق وغربلنا صدى حناجر هؤلاء الممانعين لنسمع الترجمة بلا رتوش: مرحى بأيّ صفقة إن هبطت بلكنة طَهرانيّة، وهيهات منّا التنازل إن همست بيروت في قمّة أميركيّة أو أوروبيّة أو عربيّة. رفضٌ جليل للتنازل يستعر مع أشدّ التواقين إليه؛ قمّة النفاق.

 

"لا للحرب"

أمّا أولئك المعتمرون طرابيش الحياد والسلام، الذارفون دموع التماسيح: "لا للحرب، كفانا دمارًا ودماء". فإن أزحنا قناع السكينة وفيض الرقّة عمّا تهمس به رغباتهم: فلتستمرّ المقتلة وتكتمل الإبادة، ولتُطحن البلاد حتى يُسقَط آخر سقف، وتُقتلع آخر شجرة زيتون، ويُخنَق آخر نَفَس، وتُبتَر آخر ذراع قد ترفع يومًا رايةً صفراء. نبذٌ نبيل للحرب يستتر به أشدّ مريديها؛ غاياتٌ دفينة، غايةٌ في النفاق.

 

"٢٤ / ٢٤"

وعلى ضفّة أُخرى من مستنقع النفاق اللبناني، يخرج فرسان "الإنجاز الوطني" ليزفّوا بشائر فتحٍ مبين في التيار الكهربائي، إن تسلّلت، سهوًا، ساعة تغذية إلى تشابك الأسلاك؛ طفرةٌ باهظة الثمن في عزّ زمن "الطَفَر". هؤلاء لا يعنيهم النزاع بين الضوء والظلام، ولا حلم الـ "٢٤/٢٤"؛ أقصى طموحهم أن يكون عهد أسلافهم أكثر فشلًا ولو بفارق فولت واحد، لتتعالى هتافات الجهل: "وزيرنا فشل أقلّ من وزراء باسيل بقليل، وأفسد أقلّ من جماعة برّي بكثير". معدّل النجاح هنا ليس منسوب المياه الغائبة في سدود التيار، ولا عمق العجز الذي أغرقت به الحركة قطاع الكهرباء، بل الإيفاء بأهزوجة: "نحن بدنا… ونحن فينا". ما عدا ذلك، مجرّد نفاق.

 

"ترامب يفهمني"

لا تقتصر المعضلة التي يواجهها الرئيس برّي على استحواذه، طيلة ثلاثة وثلاثين عامًا، على مطرقة البرلمان التي يُفترض أن تكون منارة الديموقراطيّة وتداول السلطة، ولا في حيرته المزعومة بين ياقة الملالي وربطة العنق المتخاصمتين؛ بل تكمن في رغبته باقتناص كلّ شيء من كلّ أحد: فهو يريد من السرايا والقصر صكّ استمرار نفوذه في العهد القادم... فيراوغ، ومن الحزب حصر الإرث السياسي به وحده... فيمانع، ومن الغرب مظلّة تحمي إمبراطوريّته الماليّة... فيطاوع ويقول: "ترامب يفهمني أكثر من اللبنانيين". إن لم يكن هذا نفاقًا، فما عساه يكون؟!

صحيحٌ دولة الرئيس؛ فنحن اللبنانيّون، وبمنتهى الصراحة: "ما فاهمين شي من شي".

ads
ads