الشرع يستعمل البطاقة للدفع

الشرع يستعمل البطاقة للدفع

  • ٠٢ أيلول ٢٠٢٦
  • أنطوني سعد

التحول الشخصي لقائد لا يكفي وحده لإنقاذ دولة. فسوريا تحتاج إلى مؤسسات وقوانين وقضاء يحمي المستثمر والمواطن معاً.

ads

قد يبدو استعمال الرئيس السوري أحمد الشرع بطاقة مصرفية للدفع مشهداً عادياً في أي دولة أخرى، لكنه في سوريا يحمل معنى أكبر بكثير. فالصورة لا تتعلق بطريقة دفع جديدة فقط، بل تختصر بداية انتقال دولة عاشت لعقود على الدعم والاقتصاد الموجّه إلى اقتصاد السوق والانفتاح على العالم.

منذ خمسينات القرن الماضي، اعتادت سوريا على نموذج اقتصادي تتحكم فيه الدولة بالأسعار والإنتاج والاستيراد، وتقدم من خلاله الدعم للسلع الأساسية. ومع مرور السنوات، تحول هذا النموذج من وسيلة لحماية الطبقات الفقيرة إلى نظام مغلق أنهك الاقتصاد، وأضعف المنافسة، وفتح الباب أمام الاحتكار والفساد.

اليوم، يريد الشرع قلب هذه المعادلة. فسوريا بدأت تتجه نحو الاقتصاد الحر، في نقلة نوعية قد تغير شكل الدولة وعلاقتها بالمواطن والسوق. استعمال البطاقة للدفع ليس سوى رمز لهذا التحول، لكنه يكشف الاتجاه الذي اختارته القيادة الجديدة، من الاقتصاد النقدي المغلق إلى نظام مصرفي حديث، ومن العزلة إلى محاولة الاندماج مجدداً في الاقتصاد الإقليمي والدولي.

لكن الانتقال من اقتصاد الدعم إلى اقتصاد السوق ليس خطوة بسيطة. فالدول لا تغير أنظمتها الاقتصادية بقرار واحد، والمجتمعات التي اعتادت لعقود على تدخل الدولة لا تستطيع تحمل الصدمة من دون حماية. رفع الدعم بسرعة وفتح السوق من دون رقابة قد يؤديان إلى ارتفاع الأسعار واتساع الفوارق الاجتماعية، وقد يجعل السوريين يدفعون ثمن الإصلاح قبل أن يشعروا بنتائجه.

وهنا يكمن الامتحان الحقيقي. فمثل هذه التحولات لا تنقذ الأنظمة دائماً، بل قد تسقطها عندما تُنفذ من دون حذر. المواطن الذي انتظر نهاية الحرب وتحسن حياته لن يقبل بأن تتحول الحرية الاقتصادية إلى احتكار جديد، أو أن تستبدل الدولة رجال المرحلة السابقة برجال أعمال يتحكمون بالسوق والناس.

الشرع يحتاج إلى فتح الاقتصاد، لكنه يحتاج أيضاً إلى حماية الفئات التي لا تستطيع تحمل كلفة هذا الانفتاح. عليه أن يجذب الاستثمارات ويعيد بناء المصارف ويشجع القطاع الخاص، من دون أن يترك الفقراء وحدهم في مواجهة الأسعار. فالنجاح لا يكون بإلغاء الدعم فقط، بل ببناء اقتصاد ينتج فرص العمل ويرفع القدرة الشرائية ويعيد الثقة بين المواطن والدولة.

ما يمنح الشرع فرصة مختلفة هو قدرته على التحول. الرجل الذي بدأ مقاتلاً تحت راية السلفيين أصبح يقود مشروع انفتاح سياسي واقتصادي. وهذه النقلة في حياته ليست تفصيلاً، بل قد تكون المفتاح لفهم طريقته في حكم سوريا. فهو لم يصل إلى موقعه عبر مسار تقليدي، بل من خلال تحولات جذرية سمحت له بالخروج من مرحلة والدخول في أخرى بصورة كاملة.

هذه الكاريزما والقدرة على تبديل المسار قد تساعدانه على تغيير سوريا. فالشرع لا يبدو راغباً في ترميم النظام الاقتصادي القديم، بل في نقله جذرياً إلى نموذج جديد يعيد البلاد إلى الخريطة ويمنح دمشق فرصة لاستعادة مكانتها باعتبارها قلب العروبة النابض في الشرق.

لكن التحول الشخصي لقائد لا يكفي وحده لإنقاذ دولة. فسوريا تحتاج إلى مؤسسات وقوانين وقضاء يحمي المستثمر والمواطن معاً، وإلى شفافية تمنع الاقتصاد الحر من التحول إلى غطاء لفساد جديد. وإذا لم تُبنَ هذه المؤسسات، فقد تصبح النقلة التي يريدها الشرع سبباً في سقوطه بدلاً من أن تكون عنوان نجاحه.

فهل يصمد الشرع أمام هذا الامتحان، وينجح في تنفيذ نقلة تعيد سوريا إلى مكانتها العربية والاقتصادية، أم يسقط تحت ثقل التحول الذي بدأه؟

قد تكون البطاقة المصرفية مجرد وسيلة للدفع، لكنها في سوريا اليوم تبدو كأنّها بطاقة عبور من دولة قديمة إلى دولة جديدة. وإذا كان الشرع بطل التحولات الجذرية في حياته، فعليه الآن أن يثبت أنه قادر على نقل بلد كامل، لا نفسه فقط.

ads
ads