المعارضة الشيعية.. من الاعتراض إلى البديل

المعارضة الشيعية.. من الاعتراض إلى البديل

  • ١٣ تشرين الأول ٢٠٢٦
  • جو حمّورة

الخارج فيستطيع أن يستمع، وأن يفتح الأبواب، وأن يساعد في الاقتصاد والسياسة والدبلوماسية، لكنه لا يستطيع أن يصنع معارضة شعبية تلك مهمة أبناء البيئة أنفسهم.

لم تعد المشكلة في وجود معارضة شيعية لحركة أمل وحزب الله قائمة. هذه المعارضة موجودة، وتزداد أصواتها وحضورها، وتضم سياسيين وإعلاميين وأكاديميين وناشطين. المشكلة الحقيقية هي في قدرتها على الانتقال من كونها مجموعة من الأصوات المعترضة إلى خيار سياسي ثالث يستطيع أن يخاطب البيئة الشيعية، يدخل إلى نسيجها، يلامس هواجسها، ويمثل شريحة منها في السياسة والمجتمع، لا في الإعلام وحده.

فالوقائع الأخيرة تشير إلى أنّ هذه الحالة بدأت تحظى باهتمام أكبر في الداخل والخارج. وفي هذا السياق، تبدو زيارة محمد بركات وهادي مراد إلى الولايات المتحدة خطوة إيجابية، خصوصاً أنّها لم تقتصر على لقاءات سياسية، بل شملت وزارة الخارجية الأميركية ومراكز أبحاث وشخصيات من الجالية اللبنانية، وطرحت قضايا الدولة وحصرية السلاح ومستقبل الجنوب والسلام والاستقرار. لكن أهمية هذه الزيارة لا ينبغي أن تقاس بحجم الاهتمام الأميركي بها، بل بما ستنتجه في الداخل اللبناني. فالمعارضة التي تستطيع الوصول إلى واشنطن ولا تستطيع الوصول إلى قرية أو حي أو عائلة في بيئتها، ستبقى معارضة نخبوية مهما اتسعت شبكة علاقاتها الدولية.

المعارضة الشيعية اليوم عالقة، إلى حد بعيد، بين اتجاهين. اتجاه يريد القطع النهائي مع تجربة الثنائي، ليس فقط كتنظيمين سياسيين، بل أيضاً مع فكرة المقاومة المسلحة والعداء لإسرائيل، ويرى أنّ الدولة وحدها يجب أن تكون صاحبة قرار الحرب والسلم والسلاح. واتجاه آخر يعارض حركة أمل وحزب الله بوصفهما منظومة سياسية وحزبية، ينتقد الفساد والعنف الداخلي والهيمنة والإقصاء، لكنه لا يريد أن يقطع نهائياً مع فكرة المقاومة ضد إسرائيل.

وهذا الانقسام ليس تفصيلاً. إنّه في صلب قدرة هذه المعارضة على مخاطبة المجتمع الشيعي. فإذا أرادت المعارضة أن تكون بديلاً فعلياً، لا يكفي أن تقول للشيعي إنّ حزب الله أخطأ، أو إنّ حركة أمل فشلت، أو إنّ الدولة أفضل من الحزب. عليها أن تجيب عن سؤال أكثر صعوبة: ماذا ستفعل لو كان جزء من جمهورها لا يزال يرى في المقاومة قضية وطنية أو وجودية؟

المعارضة الذكية لا تبدأ بإجبار جمهورها على الاختيار بين هويته السياسية السابقة وهويتها الجديدة. تبدأ من حيث هو، ثم تحاوره وتقنعه وتقدم له بديلاً. يمكن للمعارض أن يقول إنّه يريد الدولة، وحصرية السلاح، والسلام، وفي الوقت نفسه أن يفهم لماذا بقيت قضية الجنوب وإسرائيل حاضرة في الوعي الشيعي. ويمكنه أن يرفض احتكار حزب الله لقرار الحرب والسلم من دون أن يتعامل مع كل من يؤيد المقاومة وكأنّه خصم سياسي لا يمكن استعادته.

فالهدف ليس إنشاء شيعة «مضادين» للشيعة الآخرين، بل تحرير التعدد السياسي داخل البيئة الشيعية نفسها.

وهذا يقود إلى مشكلة أخرى أكثر أهمية: التمثيل الاجتماعي.

لا يمكن بناء خيار ثالث في طائفة كاملة بواسطة مجموعة من الإعلاميين والمثقفين والسياسيين وحدهم. لا بدّ من الدخول إلى المجتمع بكل مكوناته: رجال الدين، العائلات، البلديات، النقابات، الجمعيات، الجامعات، رجال الأعمال، المزارعين، المهنيين، الشباب والنساء، والفاعليات المحلية في الجنوب والبقاع وبيروت والضاحية. لا يمكن أن تبقى المعارضة موجودة في المؤتمرات والندوات والشاشات ومراكز الأبحاث، فيما يظل حضورها ضعيفاً في الحياة اليومية للناس.

والسؤال هنا مشروع: هل يعقل أن لا يكون للمعارضة الشيعية عدد من رجال الدين أصحاب الحضور الاجتماعي والروحي، القادرين على مخاطبة الناس من داخل بيئتهم؟

وجود رجال دين مستقلين لا يعني تحويل المعارضة إلى مشروع ديني، ولا يعني إقامة «حزب ديني» مقابل حزب ديني آخر. لكنه يعني الاعتراف بأنّ الدين جزء من تكوين المجتمع، وأنّ رجل الدين القادر على مخاطبة الناس بلغتهم الروحية والأخلاقية يمكن أن يفتح أبواباً لا تستطيع السياسة وحدها فتحها. وإذا كان الثنائي قد نجح تاريخياً في بناء شبكة واسعة من الشرعيات السياسية والاجتماعية والدينية، فلا يمكن للمعارضة أن تتجاهل هذا العنصر ثم تتساءل عن سبب ضعف انتشارها الشعبي.

المسألة ليست في استنساخ أدوات الثنائي، بل في فهم كيفية تشكل النفوذ داخل المجتمع. كذلك، تحتاج المعارضة إلى ما هو أكثر صعوبة من الوحدة التنظيمية: تحتاج إلى التواضع السياسي.

هناك شخصيات كثيرة لديها ما تقدمه، لكن الأنا السياسية يمكن أن تتحول إلى عائق أمام المشروع. كل مجموعة تريد أن تكون هي المركز، وكل شخصية تريد أن تكون هي المرجعية، وكل إطار يخشى أن يذوب في إطار آخر. وهكذا تتحول المعارضة إلى مجموعة معارضات، وتصبح طاقة الاعتراض موزعة بين أسماء ومبادرات ومشاريع لا تلتقي إلا في رفض الثنائي.

وهذا بالضبط ما يجب أن يتغير.

ليس المطلوب أن يصبح الجميع حزباً واحداً، ولا أن يتنازل كل طرف عن خصوصيته. المطلوب حد أدنى من الوحدة السياسية: تنسيق، خطاب مشترك، أولويات مشتركة، قواعد واضحة للتعاون، وربما هيئة تنسيق تجمع مختلف المجموعات والشخصيات من دون إلغاء اختلافاتها. فالمعارضة ليست بحاجة إلى قائد أوحد بقدر حاجتها إلى عقل جماعي.

إنّ التحولات التي أصابت لبنان والمنطقة، والحرب وتداعياتها، والنقاش المتزايد حول دور الدولة والسلاح، كلها فتحت نافذة أمام نشوء نقاش شيعي مختلف. والمعارضة تستطيع أن تستفيد من هذه اللحظة، شرط ألا تقع في خطأ تحويلها إلى مشروع انتقام سياسي من حزب الله وحركة أمل. المطلوب مشروع بديل، لا مجرد مشروع مضاد.

وهذا المشروع يحتاج إلى برنامج واضح: ماذا ستفعل المعارضة في الجنوب؟ ماذا ستقدم للبقاع؟ كيف ستتعامل مع الفقر والبطالة والهجرة؟ ماذا عن التعليم والصحة والإنماء؟ كيف ستدافع عن مصالح الناس في الدولة؟ كيف ستعيد بناء العلاقة بين المواطن والدولة؟ وكيف ستتعامل مع إسرائيل ومن دون أن تتجاهل واقع الصراع القائم؟

هذه الأسئلة أهم بكثير من عدد المؤتمرات الصحافية أو المقابلات التلفزيونية.

أما الخارج فيستطيع أن يستمع، وأن يفتح الأبواب، وأن يساعد في الاقتصاد والسياسة والدبلوماسية، لكنه لا يستطيع أن يصنع معارضة شعبية داخل بيئة معينة. تلك مهمة أبناء البيئة أنفسهم.